إشكالُ الجهاد في الإسلام

التقاط

 

كلماتٌ لا بد منها :

——————

قبل كلّ شيء لا بد من كلمة هامة جداً ، وهي أنَّ الإسلامَ بريءٌ كلّ البراءة من الجماعات التكفيريّة التي طفتْ على السطح في هذا العصر، وأخذتْ تُروِّع وتقتل وتُمثِّل بالجثث وتسفك الدماء باسم الإسلام ، فجميع ما تفعله هذه الجماعات ليس من الإسلام في شيء بل يُسيء له جداَ ويصوره على أنه دين القتل والترويع والدماء المسفوكة والأجساد المصلوبة و المرجومة فهل هذا هو مفهوم الجهاد في الإسلام ؟؟؟!!!!!!!

إنَّ الذي صنعَ ذلك الافتراء ، وغسل الأدمغة،  هو إبليس نفسه حيث ربط وبلؤم عجيب بين الجهاد والقتل ، وقد استطاع وبخبث وبمكر أنْ يُسيءَ للإسلام من باب الجهاد نفسه مستغلاً جهل الناس العظيم بالدين ، وثقافتهم المتواضعة في التفريق بين ثوابت الدين و متحولاته ، وبين حقائقه وشبهاته ، ثم أضيف إلى ذلك الخلط الشنيع الذي قام به التكفيريون  بين أنواع المعاصي وبالتالي بين أنواع العقوبات ، فنصَّبوا أنفسَهم أرباباً باسم الدين وبدؤوا (على بركة إلههم إبليس) بحزِّ الرِقاب ، وجلد الأجساد ، والإفساد في الأرض وهم يزعمون أنهم ما قصدوا إلا الإصلاح ودفع الظلم عن البشر … !!!!!! فهذا يُجلد لأنه يرتدي الجينز ..!!! وهذا يُصلب لأنه يدخن ..!! وهذا الصبي الذي لم يبلغ الحُلُم بعد تُحزُّ رقبته لأنه لا يصلي ( مع أنه غير مكلف شرعاً ) ..!!!! وهذه المرأة تُعاقَب بوحشية لأنها لم تنتقب !!!! ( مع أنه على مذهب الجمهور يجوز كشف الوجه ) ، وهذه يُطلَق عليها الرصاص لأنها ترتكب الفاحشة ، مع أن العقوبة في الزنا الرجم أو الجلد مع التغريب ، وليس هذا على إطلاقه بل لا بد من أربعة شهود حضروا الواقعة بأم العين ولا بد أن يُرفع ذلك أولاً إلى ولي الأمر الموكل له تطبيق شرع الله في دولة لها خليفة بايعه كلّ المسلمين …!!! فمن أين أتت عقوبة الرمي بالرصاص ومن أذن لهم أصلاً بهذا اللون من الحدود بل أين ولي الأمر أصلاً..؟؟!!! إذاً مصيبة هذه الجماعات أنها لا تملك علماً ولا فهماً في شيء حتى أنها عندما اعتبرت البلاد التي اجتاحتها (دار كفر) فإنه وحسب (الجمهور) لا يجوز لهم تطبيق الحدود والعقوبات فيها حتى ينتشر الدين و يتمكن ويعرف الإنسان ما له وما عليه …!! 

أين تكمن الخطورة :

———————

إياكم أيها المسلمون وإمعاناً في رفض هذه الجماعات أن تُسيؤوا فهمَ الجهاد فتقدحوا به دون أنْ تعرفوه وتتعرفوا عليه لمجرد أنه اقترن في أذهانكم بالذبح والظلم ، ثم أعيذكم من فعل الجُهَّال الذين يقبلون ويرفضون بالهوى ..!! ولا تربطوا وتقيسوا الأمور ببعضها  حتى تتمكنوا من معرفتها جيداً بل واتقانها فإنكم إن لم تفعلوا ذلك كنتم كالببغاوات الناعقة بما لا تفهم  …..!!!!!!!!!!!

ثانياً : إنَّ التدافعَ بين البشر من أجل ( المصالح ) موجودٌ منذ قديم الزمان وسيبقى إلى أن يرثَ الله تعالى الأرضَ ومن عليها حتى وإنْ خُيِّلَ إلينا أننا ارتقينا وتحضَّرنا إلا أنَّ النفوسَ هي النفوس في كل زمان ومكان ، وكذا الحروب فهي قديمة قِدم الإنسان نفسه منذ أنْ قتلَ قابيل أخاه هابيل ظلماً وعدواناَ مع أنَّ أباهما نبيٌ وهو آدم عليه السلام ..!!!!

من يقرأ ( التاريخ ) يجد أنه إنما وُضع أصلاً لتكريس الفوز ومدح (المنتصر) ، وكل ما يحدث اليوم قد حدث ما يشابهه في الماضي ، والحصيف الذكي هو الذي يستفيد من دراسة الماضي ويتعلم من أخطائه ليتجنبها لا ليكررها أو يتعلم كيف يجدُ حلولاً تخفف من وطأة الأذية على أقل تقدير ….

إذاً الأفراد تتصارع ، والدول تتصارع ، كلّ الذي اختلف هو التطور المعرفي فقط ( أي تطور الوسائل ) لأنَّ الغاية ما تزال نفسها .. ولهذا فإن ربَّ العالمين لمَّا عَلِمَ ذلك وهو أعلم بجبلة خَلْقِهِ وضع للناس قانوناً إلهياً هو ( العقيدة ) ، وقنَّن لهم ، وجعله قانوناً مقدساً ثميناً لا بد من الدفاع و الذود عنه وحمايته ، وإلا فإنَّ البشر في كل الأحوال سيتحاربون ويتدافعون على المصالح مهما تطوَّروا وتحضَّروا !! ولا أظن أنَّ أحداً يستطيع أنْ يُنكرَ ذلك . وبالمناسبة فإنَّ قوانين البشر الوضعيّة قاصرةٌ وغير شاملة لهذا فهي تتغير دائماً وتتعدل ، والمشرِّع يُشرِّع من وجهة نظره الضيقة مهما ظن أنه أحاط بكل شيء ..!! والحق سبحانه وتعالى حينما شرَّع، فتشريعه يضع الاحتمالات، وليس كالمشرعين من البشر الذين تضطرهم أحداث الحياة بعد التشريع إلى أن يغيروا ما شرَّعوا، لأنه استجدت أمور لم تكن في حسبانهم ، فتعديل أي قانون بشري معناه حدوث أقضية لا يوجد لها تكييف في القانون عند التطبيق؛ فيلجأ المشرعون إلى تعديل القانون، ليضعوا فيه ما يتسع لهذه الأقضية. ولكن الحق سبحانه وتعالى عندما قنن. . فهو يقنن تقنيناً يحمل في طياته كل ما يمكن أنْ يستجدَ من أقضية دون حاجة إلى تعديل، ولأن الإسلام جاء منهاجاً خاتما ولا منهج للسماء بعده، لذلك كان متضمناً كافة الاحتمالات. 

لقد كان من المعقول تعديل التقنينات عندما كانت الرسل تتوالى، لكن عندما ختم الله رسالات السماء بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، كان لابد أن تكون التشريعات التي أنزلها الله على رسوله تحمل في ذاتها ضمانات تكفل ذلك.إذاً فالضرورات هي  التي ألجأت المشرع الواضع إلى أن يعدلَّ قانوناً غفل عن جزئياته ساعة وضعه أولَّ مرة ، ولكن مثل هذا التلافي والتصحيح لا يوجد في تشريع السماء، لأنَّ اللهَ الخالق أعلم بتدابير كونه وهو عالمُ الغيب يعلم الأقضية التي  ستجئ فيما بعد وما الذي سيحدث وما القا نون المناسب فيما لو حدث ، فقانون السماء شاسع واسع قد شمل كل الاحتمالات وناسب كل التطلعات البشرية على اختلافها ، ومن جهة أخرى إنَّ الذي يضع القانون لابد ألا ينتفع به، وعلى ذلك فالله سبحانه أغنى الأغنياء عن الخلق ولن ينتفع بأي شيء من العباد، أما البشر فلو وضعوا «قانوناً» فالواضع سينتفع به، ورأينا ذلك رأى العين؛ فالذي يريد أن يأخذ مال الأغنياء ويغتني  ويخلط الممتلكات ولا يحترم مبدأ الملكية الفردية يخترع المذهب الشيوعي، والذي يريد أن يمتص عرق الغير ويكرس الطبقيّة  يضع مذهب الرأسمالية، وكل المذاهب نابعة من الهوى، ولا يمكن لأحد أن يُبرأ أصحاب المذاهب الفلسفية من غرض أو غاية أو هوى …!!!  العالم يريد مَن يُشرع له دون أن ينتفع بما شرع، ولا يوجد من تتطابق معه هذه المواصفات إلا الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يشرع فقط، وهو الذي يشرع لفائدة الخلق فقط ، وهو العالم بكل الجزئيات التي قد يأتي بها المستقبل، وهذا لا يتأتى لأنه عليم حكيم، ولذلك قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]

لماذا الجهاد ..؟!

—————–

 لأنه لا بد من حماية هذا المنهج الإلهي ( العقيدة ) ولن يترك ذلك حتماً لأهواء الناس وآرائهم ، وحروبهم وفلسفاتها وأسبابها ..بل لا بد من الدفاع عن هذه العقيدة الضابطة بكل القوى المتاحة ، وكلٌّ  حسب استجابته لربه فمن أولادك من يفهم بنظرة ، ومن أولادك ما يحتاج إلى العصا ..  وليس هذا تقييداً للحريات ، وإنما هو اختيار متعدد  حر من ضمن مساحة مقدسة متسعة جداً لإرادة الخالق الذي أراد من المخلوق تطهيره والارتقاء به فأبى المخلوق إلا معصية ودنساً وإدعاء بأنه أفهم من خالقه وأعرف بشؤون نفسه …!!!!!!

الأدلة الأساسيّة والأدلة الفرعيّة :

———————————–

 إذا كان الإنسانُ مؤمناً ( بالأدلة ) بأن عقيدة الإسلام هي العقيدة الصحيحة التي ارتضاها الله تعالى لعباده ، وبأن الله تعالى أمر رسوله بنشرها وأذن له بالقتال من أجلها لحمايتها والدفاع عنها ، إذا كان مؤمناً بذلك فستكون الأدلة من باب (ليطمئنَ قلبي)، أما إذا كان الإشكال يتمثل في الاعتراض على مفهوم الجهاد نفسه في الإسلام والنظر إليه بريبة أو بشبهة وبأنه محض اعتداء فهذا موضوع آخر تماماً ..!! ولذلك فلا بد من عرض أدلة تصلح للحالتين معاً ( أدلة الاجتماع وليس أدلة التقاطع بالمفهوم الرياضي )….وفي كلّ الأحوال من حق أي إنسان أن يسأل طالما أيقن في قرارة نفسه أنه يبحث عن الحقيقة فعلاً لعل الله يهديه وينير قلبه …..

لا بد في كل الأحوال من شرح المعنى الحقيقي للجهاد وهدفه ومشروعيته وأهميته ، وأسبابه وشروطه و شروح بعض الأحاديث الصحيحة الخاصة بالجهاد ولاسيما التي أشكل على بعض الناس فهمها ومن ثم مدى توافقها مع آيات القرآن الكريم المشابهة لها في المعنى أو الحكم وما شابه ذلك من استفادة من أحداث التاريخ المتواترة مثلاً لما لها من فائدة في تجلية الحقائق ……….

ما هو الجهاد في الإسلام ..؟!  ولماذا يحاول أعداء الإسلام تشويه هذا المفهوم بالذات  بكل ما أوتوا من قوة ، إلى حد (صناعة) جماعات إرهابية من قطاع الطرق المعتدين يعيثون في الأرض فساداً، يدمرون الحياة ويزعمون على الملأ أنهم وحدهم المسلمون الحقيقيون المطبقون لشرع الله المتمثل بالجهاد ويحملون علم التوحيد ويحرصون على التصور معه في كلّ مناسبة فيها ذبح وحز للرقاب …!!!!!!

الجهاد في الإسلام :

———————-

 هو بذل الجهد أي صرف الطاقة وتحمل المشقة في سبيل الدفاع عن أثمن شيء في الوجود وهو العقيدة بغية إيصالها للآخر كما أمر خالق الوجود ، لأن فيها صلاح دنياه التي استخلفه الله تعالى بها و التي هي مكان معاش العباد جميعاً وصلاح الآخرة التي فيها معاد العباد إلى ربهم وهذا الأهم والأخطر ، ويدعم ذلك ما ورد في لسان العرب لابن منظور : الجهاد محاربة الأعداء و هو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل ……

 فالجهاد في الفعل يتمثل في الفتوحات والحروب التي تخدم هذا المفهوم ، أما الجهاد في القول فيتمثل في التبليغ قولاً  والتطبيق حالاً ومجاهدة الكافرين (بالقرآن) أي بحججه ، لأنه  واضح الدليل قوي البرهان عميق الأثر في الوجدان «فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً» وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان، والتأثير العميق، والجاذبية التي لا تقاوم، ما كان يهز قلوب مشركي مكة هزاً، ويزلزل أرواحهم زلزالاً شديدا فيغالبون أثره بكل وسيلة فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلا. ويستمر المعنى بهذه الآية الكريمة أي جاهد الكفار والمشككين جاهدهم بالقرآن من خلال ما به من حقائق ولا سيما المعجزات العلمية التي يكتشفها العلم حديثاً جداً وهذا جهاد الأدلة والبراهين وهو عمل شاق لأنه يخاطب العقول مباشرة .. وما اختلف البشر في شيء بقدر ما اختلفوا في طريقة تفكيرهم ومدى استيعابهم …!!!!!!

أنواع الجهاد:

————-

الجهاد في الإسلام نوعان:

 جهاد دفاع:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد و من قتل دون مظلمته فهو شهيد ) صحيح الإسناد

وجهاد الطلب:

 وهدفه إزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين سماع الحق، وليست الغاية سفك الدماء، إنما الهدف منه تحطيم الحواجز، وشق الطريق إلى أن يصل الإسلام إلى قلوب البشرية، فتطمأن به وترضاه.   ولا أدري حقاً لماذا الخوف من أن تسمح للآخر باختراق مكانك كي تسمع عقيدته إذا كنت واثقاً أن عقيدتك هي العقيدة الصحيحة الراسخة التي يقبلها العقل والمنطق ويدعم العلم أجزاءً عظيمة منها ؟! لماذا تمنعه من تبيلغ الحق للناس لولا أنك ظالم متعد عليهم ومُضيِّع لحقوقهم أصلاً …..؟؟؟!!!

لماذا الإسلام ؟؟!!

——————-

ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان التي سبقته أنه منهج حياة كامل متكامل : (افعل ولا تفعل)  فهو أرقى أنواع الضبط والانضباط التي تحترم حاجات الإنسان ( الروحية والجسدية )… وبنفس الوقت لا تسمح له بالاعتداء على الآخر بحجة الحرية ….!!!  وعقوبات الإسلام بمثابة أدوية رادعة للمجتمع ونافعة لأمراضه وبأقل عدد ممكن من الضحايا ..!!!! فهو إن قطع يد سارق واحد فقد حفظ أفراد المجتمع كله من السرقة وأنت معهم ، وإذا رجم زانياً يلغ بأعراض الناس كالبهيمة فقد طهر المجتمع كله من رجس الزنا المقيت الذي لا يمارسه إلا كلّ قذر منحرف الفطرة..   ، نعم للأسف إن الذي يخاف من الإسلام هو شخص سيء ّالنيّة ، منحرف الطويّة ولو تعمق في دراسة الإسلام لأحبه واعتنقه لأنه دين الحق والطهارة و وليس دين الشعائر الطقسيّة الفارغة التي لا طائل من ورائها ولا حكمة سوى تكريس الغباء والانحناء للحمق …)  ومع كل ما سبق فإن لهذا الجهاد شروط وقواعد وقوانين لا بد من توفرها ‘ فالمسألة ليست على إطلاقها بحيث يتصور المسلم ( بحجة الجهاد ) دائماً محارباً ممتشقاً سيفه على جنبه كأبطال طروادة الإغريق…!!! وهو بالمقابل ليس ذليلاً أخرق رث الثياب( درويشاً)  منكفئاً على نفسه مضيعاً لأوامر ربه الصارمة ولحقوقه المتنوعة في الحياة بحجة التسامح و الأخلاق الحميدة بل لسان حال المسلم يقول : ( لست بالخب ولا الخب يخدعني)  …!!!!

 أهم أحاديث (الجهاد) التي أُشكلت على الناس :

—————————————————

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } : أُمرتُ أن (أقاتلَ) الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى { رواه البخاري ومسلم أي أنه صحيح بل في أعلى درجات الصحة ..

إذاً ما الموضوع هل أمرت السماء رسولها بقتل الناس الذين لم يُسلموا… وكيف يتوافق هذا الحديث الشريف مع الآية الكريمة (لا إكراه في الدين) ؟؟؟!!!

أولاً لا بد من إلقاء الضوء لغوياً على معنى هذا الحديث الهام لأن ذلك يزيل إشكالات عديدة وقع بها كثيرون ، ومعلوم أنه من فهم المفردات ووضعها في سياقها هان عليه فهم معنى الحديث ..

(أقاتل) فعل يختلف تماماً عن (أقتل) ، أقاتل بمعنى أحارب وهو على وزن (أفاعل) وفيه معنى المشاركة بين طرفين متعاديين ، أما أقتل فهي أن أرفع سيفي وأجز رقاب الناس حاربوني أم لم يحاربوني …!!! والفرق عظيم فالإنسان يحق له في كلّ الشرائع أن يقاتل ذوداَ عن روحه و عرضه وماله وممتلكاته إذا أراد أحد ما أن يمنعه منها أو من الوصول إليها … والعقيدة هي أثمن من كلّ شيء لا سيما إذا كانت عقيدة تحمي أعراض الناس كلّ الناس وممتلكاتهم وحتى اختياراتهم ( لأنها تقاتل الذين يريدون منع الناس من أن يختاروا ) وقد أُمر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يحارب أولئك الطغاة الجبابرة الذين يريدون منعه من إيصال حقيقة السماء ( العقيدة ) إلى الناس أجمعين بأمر صارم من رب العالمين: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) الحجر 94 ومعناها حسب ما قَالَ الْفَرَّاءُ: فَاصْدَعْ بِالْأَمْرِ، أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ، وما أمر نبي بالقتال سواه لأنه الرسول الوحيد الذي أذن له بالقضاء بين الناس والدفاع عن حقوقهم ولو اضطر إلى استعمال القوة ..لأن عقيدة الإسلام بالأصل  تحمي منهج حياة يقوم على المساواة بين الجميع وحماية مصالح البشر بدون استثناء وعدم ظلمهم من قبل الطغاة الذين يصل بهم الأمر إلى حد تقديس ذواتهم …!!!! لذلك فإن الذين رفضوا الإسلام رفضوه سياسياً قبل أن يرفضوه كعقيدة ، لأنه منهج حياة قائم على العدل وهم لا يريدون و لا يؤيدون هذا العدل الذي سيكشف ظلمهم ويفضح عدوانهم ، ولهذا السبب خافت قريش من محمد وجماعته لأنها خافت على حكمها وسلطانها السياسي بالدرجة الأولى الذي تستمده من عقيدة الشرك وحماية الأصنام …!!!

ومع ذلك لم يكن النبي يبدأ أحداً بالحرب حتى يرسل إليهم الرسل والمكاتيب التي يدعوهم بها إلى إرادة السماء المتمثلة بالدين الخاتم ( الإسلام ) ، فإن أبوا أن يسمحوا بتبليغيها للناس ونشرها بينهم ، كان مأموراً بحربهم وكان لا بد من ذلك في بدايات الدولة الإسلامية كي تتوطد أركانها تمهيداً لحمل العدل والمساواة والأخلاق الحميدة لكل البشر ..وإلا فلن تنتشر رسالة السماء للعالم كله إلا بهذه الطريقة ، فالإسلام يكمن اختلافه الجوهري عن بقية الأديان أنه يحمل مفهوم العالمية وليس المحلية لأن الله تعالى أراده الدين الخاتم المرتقي حتى معرفياً وهذا ما يتأكد منه العالم برمته يوماً بعد يوم ، أما بقية الشرائع السماوية فلم يؤمر أنبياؤها بجعلها عالمية والدليل من كتبهم نفسها وهذا قول المسيح عليه السلام في الإنجيل يوضح ذلك : ( ما أرسلت إلا إلى الخراف الضالة إلى بيت إسرائيل ) متى 15/24 لأن عيسى هو نبي لليهود ، وليست رسالته إلا امتداداً لرسالة موسى عليهما السلام ‘وكانت رسالة إكمال لرسالة موسى وتخفيف وتصحيح مسار لفهمٍ خاطئ  ، وما أمر اللهُ عيسى بإخراج الرسالة للأمم الوثنية في ذلك الوقت ، بل الذي فعل ذلك شاؤول اليهودي ( بولس ) وهو أصلاً عدو المسيح ولم يقابله في حياته بل زعم أنه رآه عندما أغشي عليه على أبواب الشام وقال له أنا ابن الله وأنت أصبحت رسول المسيحية …!!!!!!!!

الصحابة يتابعون مسيرة الإسلام :

————————————

نعود لنقول : إنَّ الصحابةَ لما فتحوا البلاد لم يضعوا السيوف على رقاب الناس قائلين أَسْلِمْ وإلا قتلتك، بل أقاموا عدل الله وحكمه في الأرض، ووضعوا الجزية على من خالفهم من اليهود النصارى والمجوس، فالناس بعد هذا لما رأوا الفاتحين أهل عدل وإنصاف وصدق وإيمان، وأنهم زهاد في الدنيا، حريصون على هداية البشر، دخل الناس في الإسلام طائعين مختارين راغبين محبين، لأن هذا هو العدل، ولهذا يقول علماؤنا : “لما فتح المسلمون الشام، وحكموه، وساسوا أهله بالعدل والإنصاف والتقوى فقال النصارى: لو كان هؤلاء الصحابة زمن عيسى كانوا حواريه وأنصاره، أي شهدوا لهم بالعدل!!!!.

وهناك مدن كثيرة دخلها الإسلام طواعية وباختيار أهلها ..بل وبترحيب منهم..  كدمشق وبعلبك وقنسرين وحمص والقدس زمن عمر بن الخطاب ،وشرق آسيا كله .. وبالمناسبة فإن كل البلدان التي فتحها المسلمون نعمت بالرخاء والعدل والمساواة الاجتماعية بل وبأفضل ما يمكن أن يصل عليه مجتمع ما !! وكل عادل موضوعي من بني البشر أتقن التاريخ والبحث فيه ، يعرف ذلك جيداً ..!! 

أما الذين يُنَادُون بأن الجهاد محض ظلم فهؤلاء: إما جاهل، وإما مغرض ..معرض عن دين الله!!

فإذا كان الدين كله لله، والحكم لله، والتحاكم لشرع الله، لا يضر المسلمين أن يعيش بينهم من خالفهم تحت ظل الإسلام ويؤدي الجزية، وأنه معاهد مستأمن، وذمي يعيش تحت عدالة الإسلام يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»، لأن الإسلام عدل، ما جاء بالظلم أبدًا ولا بالطغيان أبدًا، الصلح أحب إليه من القتال، والهدنة أحب إليه من القتال، لأن المقصود هو إيصال كلمة الحق لنفوس البشر، لتنوير بصائرهم، وهدايتهم للطريق المستقيم، المقصود إصلاح البلاد والعباد.

إذا رجعنا إلى يوم كانت قريش تعادي الرسول ومن معه وتذيقهم أبشع أنواع العذاب مع أن قريشاً كانت قوية جداً ولكنها كانت تخاف محمداً وأتباعه أشد الخوف لأنهم يحسون في قرارة نفسهم أنهم سيكون من ورائه أمر عظيم سينزع عنهم ملكهم !!!! نجد أن المسلمين لم يكن مأذوناً لهم برفع الأسلحة إلى أن نزلت : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) الحج (39) ، وبنفس المعنى الآية الكريمة :  ( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) البقرة  (190)… انتبه إلى النهي عن الاعتداء : ( ولا تعتدوا) ..!!! ولذلك فأن جمهور العلماء يقولون :  ( إن القتال في الإسلام يقع لاعتداء الكفار لا لضلالهم وإجبارهم على دخول الإسلام ) !!! وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ، إذاً هناك سبب لقتالهم ( ليس لقتلهم ) ، وهي حتى لا يفتنوا الناس بعقائده الشركية الضالة ويمنعوهم من التعرف على خالقهم وإلههم الحقيقي ومن ثم مطالبتهم بالعدل والمساواة وفق ميزان السماء  ..!!!! و معنى أن يكون الدين لله، أي تخرجوهم من ديانة أنفسهم أو من الديانات التي فرضها الطغيان عليهم، وعندما نأخذهم من ديانات الطغيان، ومن الديانات التي زينها الناس إلى ديانات الخالق فهذه مسألة حسنة بالنسبة لهم، وتلك مهمة سامية. كأنك بهذه المهمة السامية تريد أن ترشد العقل الإنساني وتصرفه وتمنعه من أن يَديِنَ لمساو له؛ إلى أن يدين لمن خلقه. وعلى صاحب مثل هذا العقل أن يشكر من يوجهه إلى هذا الصواب ..!!

بدايات الجهاد:

—————

أقام النبي في مكة أكثر من عشر سنين بعد البعثة، بعد أن أمر بنشر الدعوة، وما شرع الجهاد له، لأن الجهاد في مكة لا يمكن، لأنه لو جاهد لانْقَضَّ المشركون على تلك العصابة واجتثوها من الأرض، لكن الله حكيم عليم أَخَّرَّهُ حتى يَقْوَى الإيمان في النفوس والقلوب، وينطلق الناس عن كمال إيمان ويقين وصدق، وبذل لِلْمُهَجِ والأموال في سبيل إعزاز دين الله، وإعلاء شأنه، هكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم-.

يقول علماؤنا : ” إِنَّمَا قَاتَلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَأَمَّا مَنْ هَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ”

الجهاد مبدأ وعمل صالح، لكن متى يكون؟ لابد له من شروط، لابد من ظروف مناسبة له، أهمها دولة إسلامية موحدة وقوية وموطدة الأركان تحترمها الدنيا كلها لعدلها وأخلاقياتها …!!!! وإلا فهل يقول عالم من علماء المسلمين بغزو بلد أوربي ومحاربته للدخول في الإسلام ..؟؟!!! فأوربا مثلاً لا تقف في وجه التبليغ الدعوي الإسلامي ولا تنكل بالمسلمين على أراضيها ومن حاز منهم على الجنسية اعتبر من مواطنيها وحرية ممارسة شعائره مكفولة ..!!!! مع وجود بعض المنغصات وهذا بديهي لأن الإسلام يعتبرها دار كفر ولكن أهلها مصلحون بمعنى أنهم يقيمون العدالة والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وهذا بالضبط ما يريده الإسلام والدليل على ذلك آية القرآن الكريم : (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) هود (117) والظلم هنا في هذه الآية هو الشرك ، ومصلحون أي صالحون لحماية مصالح البشر جميعاً ..   معنى ذلك: لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله. وذلك قوله “بظلم” يعني: بشرك = (وأهلها مصلحون) ، فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطَون الحقّ بينهم، وإن كانوا مشركين، إنما يهلكهم إذا تظالموا..!!!

إذاً فما تفسير الفتوحات التي كان يبدؤها المسلمون أين يتمثل اعتداء الكفار هنا ؟؟ نعيد ونقول إذا لم يُمنع المسلمون من تبليغ رسالتهم أو يُعتدى عليهم عند التبليغ فإن السيوف لا ترتفع في وجه أحد طلباً للمحاربة ، فإذا مُنعوا واعتدي عليهم كان ذلك اعتداء ومنعاً من تبلغ رسالة السماء الصارمة ،فإذا أضيف إلى ذلك أن  الرسولَ محمداً ممهدٌ له ومكتوبٌ عن رسالته ومبشر به بشكل واضح جداً وصريح في الكتب المقدسة كان ذلك من أهم أسباب  المحاربة عند المنع … فأهل الكتاب يعرفون محمداً كما يعرفون أبناءهم : ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) البقرة / (146) ولقد فصلتُ ذلك بأدلة قوية وبراهين راسخة في سلسلة ( محمد النبي الموعود الذي بشرت به كتب النصارى واليهود ) على هذه الصفحة نفسها ( براهين الإسلام )

في البداية لم يرفع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم السيف في وجه أحد من الدول والقبائل والجماعات بل أرسل لهم الرسل وكاتبهم ودعاهم برفق ولين إلى المنهج السماوي وليس إلى مملكته هو ( وهذه نقطة في غاية الأهمية ) . فقيل: إنهم لا يقرأون كتاباً إلا بخاتم، فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة نقش فيه «محمد رسول الله» ليختم به الصحف، فكان يلبسه تارة في يمينه وتارة في يساره فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى بكتاب فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ليدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية. وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى أصحم بن أبحر النجاشي، وبعث شجاع بن وهب الأسد إلى المنذر بن الحارث ابن أبي شمر الغساني صاحب دمشق وبعث عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة.

فأما كسرى فمزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك: « مزق الله ملكه، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» .وبالفعل فقد تمزق ملك كسرى ودالت دولته ‘ ولم يأتِ كسرى بعده ولن يأتي ..!!! وأما قيصر فسأل أبا سفيان عما سأل ثم قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلا بدحية الكلبي وقال: إني لأعلم أن صاحبكم نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكن أخاف الروم على نفسي ولولا ذاك لاتبعته، ولكن اذهب إلى (ضغاطر) الأسقف فاذكر له أمر صاحبكم وانظر ماذا يقول، فجاء دحية وأخبره مما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وبما يدعو إليه، فقال ضغاطر: صاحبك والله نبي مرسل! نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه، ثم دخل فألقى ثياباً كانت عليه سوداء ولبس ثيابا بيضاء ثم أخذ عصاه وخرج على الروم وهم في الكنيسة فقال للروم: إنه قد أتانا كتاب من أحمد يدعو فيه إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وضربوه حتى قتلوه، فرجع دحية إلى هرقل وأخبره الخبر، قال: قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا فضغاطر كان والله أعظم عندهم وأجوز قولا مني.

 وأما النجاشي  فكان كتابه «من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، فأني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة  فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخ به من روحه، وإني أدعوك إلى الله ، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر  من المسلمين، فدع التجبر فإني أدعوك إلى الله وقد بلغت ونصحت فاقبل نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى» فقرأ النجاشي الكتاب وكتب جوابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من النجاشي الأصحم بن أبحر ، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض أن عيسى لا يزيد على ما ذكرت إنه كما قلت، ولقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، وأشهد أنك رسول الله  صلى الله عليه وسلم صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وبعثت إليك بابني أرها بن الأصحم  ، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك يا رسول الله فعلت ، فإني أشهد أن ما تقوله حق والسلام عليك يا رسول الله ! فخرج ابنه في ستين نفسا من الحبشة  في سفينة البحر، فلما توسطوا ولججوا أصابتهم شدة وغرقوا كلهم .

وأما المقوقس فأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار فيهن مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك سائر الملوك أهدى إليه الهدايا فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقبل الهدية ويثيب عليها.

__________         

نعم لقد حارب الإسلام أعتى قوتين ظالمتين في العالم آنذاك الروم والفرس .. أما الفرس فقد كانوا على طقوس الوثنية (عبدة نار) وكان لقب الملك عندهم ( كسرى ) وكان الأكاسرة وبالإضافة إلى انحراف العقيدة الواضح كانوا يقدسون أنفسهم ويظلمون من هو دونهم ويسومون رعيتهم أبشع ألوان الإهانة وسآتي على ذكر ذلك ، أما دولة الروم فسأضرب مثلاً عن طريقة حكمهم الباغي للآخر الذي لا ينتمي لهم ( سياسياً ) وإن انتمى لهم بالعقيدة …!!!! فقد احتل الروم مصر تسعة قرون يسومون شعبها سوء المعاملة مع أن سكان مصر كلهم أقباط أي مسيحيون مثلهم ..ولذلك يشهد التاريخ ( الغربي والشرقي ) أن المسلمين عندما دخلوا مصر بقيادة عمرو بن العاص وكانوا قلة ( ثمانية آلاف ) بالنسبة لسكان مصر آنذاك ( ثمانية ملايين ) .. عندما دخلوا مصر استقبلهم رجال الدين المسيحي بالفرح والحفاوة وفي حين كانت الدولة الرومانية تزدريهم كان عمرو بن العاص يخرج خراج وعطاء مدينة (البحيرة ) جنوب الإسكندرية بكامله لإصلاح دير وادي النطرون للنصارى ..!!!!!

وفي كتابه البديع ( حضارة العرب ) يشهد العلامة المتخصص غوستاف لوبون للمسلمين مع أنه ليس منهم ، ولكنه رجل عالم يتحدث بمنتهى الموضوعية ، يشهد لهم برقي فتوحاتهم و بأنها بالفعل احترمت الإنسان أياً كانت عقيدته ..!!! وهو فوق ذلك معجب كل الإعجاب بطبائع العرب الفاتحين أنفسهم ويسمي الأشخاص وما فعلوه يقول مثلاً في عمر بن الخطاب : ( ويثبت لنا سلوك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مدينة القدس مقدار الرفق العظيم الذي كان يعامل به العرب الفاتحون الأمم المغلوبة .. والذي ناقضه تماماً ما اقترفه الصليبيون في القدس بعد بضعة قرون مناقضة تامة .. فقد دخل عمر بن الخطاب مدينة القدس مع عدد قليل من أصحابه وطلب من البطريك ( صفرنيوس ) أن يرافقه في زيارته للأماكن المقدسة ، وأعطى الأهلين الأمان ، وقطع لهم عهداً باحترام كنائسهم ، وأموالهم وبتحريم العبادة على المسلمين في بيعهم .. !!! فأين الإهانات وحز الرقاب وجلد السياط كما فعل كل المحاربين من غير المسلمين عندما دخلوا البلاد التي احتلوها للتنكيل بأهلها وسلب خيراتها كما فعل المغول والتتر مثلاً … !! وهذا ينسحب تماماً على التاريخ الحديث وإن اختلفت الصور ولكن لم تختلف المفاهيم .. فانظروا ماذا فغلت أمريكا  -الظالمة التي تضع أنفها في كل شيء- عندما دخلت العراق بوقاحة بذريعة النووي المزعوم … فهي كاذبة غاشمة فوق أنها محتلة أثمة ….. وعندما اقتطعت تركيا بوقاحة  واغتصبت من سوريا أجمل أراضيها الشمالية  ..!! ولما أخذ الروس من بولونيا أجمل أراضيها وأعطوا لها أراضٍ من ألمانيا لأن ألمانيا كانت يومها منهزمة لا حول لها ولا قوة ..!!!!!!

ومرة ثانية أقيس الحديث على القديم لأقول لك إن العالم محكوم شاء أم أبى ( عقدياً ) من قبل عقيدة اليهود الدينية فلا أجد أمريكا إلا دولة ترعى دولة اليهود المزعومة والتي هي دولة عقدية دينية بامتياز، والمصيبة أن ثقافة اليهود العقدية ( المفتراة ) تقضي بإقصاء الآخر تماماً إن لم يكن يهودياً وباستحلال دمه وعرضه وماله وكل ممتلكاته لأنه من ( الغوييم ) أو ( الهابهيموت ) وهي مصطلحات تدل على أن الآخر من الهمج والبهائم …!!!! فيا أيها الآخر الكاره للإسلام ولانتشاره لا أدري حقاً لماذا يؤلمك الإسلام ( الحقيقي ) لماذا يؤلمك وجود دولة ذات صبغة إسلامية ، يحترم رئيسها الإسلام ويقيم شعائره ويحترم علماءه ويتخذ الدين الإسلامي ديناً لدولته ( أعني الإسلام الحقيقي وليس دين الإرهاب و حز الرقاب الذي يمثله التكفيريون  ومن على شاكلتم من بقية العقائد )  والدين الإسلامي دين الرقي الإنساني بكل معنى الكلمة .. ولا يؤلمك استبداد اليهود ومحاولة تخريبهم  للعالم كله دفاعاً عن عقيدتهم المزعومة بأنهم شعب الله المختار ذلك الإله الذي صوروه عل آن إله عنصري لهم وحدهم .!!! وأزيدك فأقول إن كل مؤسسات الدولة في أمريكا تخطب ود اليهود ..وتدعم عقيدتهم ( المحرفة) وتدافع عنها وكل رؤساء أمريكا ارتدوا وسيرتدون (الكيباه ) اليهودية كي ترضى عنهم دولة المكر والخداع التي تصور نفسها دائماً على أنها الدولة المظلومة لأن اليهود استطاعوا وبمكرهم الموصوف أن يسيطروا على أقوى المفاصل في العالم …..!!!!!!!!

هل الإسلام دين دموي .. ؟!

——————————

ذكرنا بأن النبي محمد كان يبعث بالرسل أولاً ويكاتب الملوك بكل احترام عارضاً عليهم رسالة السماء  فمنهم من يوافق كملك الحبشة النجاشي ومنهم من يرفض وبعداوة شديدة كأن يقتل الرسل مثلاً ومعروف أن الرسل  لا يُقتلون مهما كانت الظروف !! وحتى مع إعلان الحرب  كان الرسول أشد الناس حرصاً على حقن الدماء وعلى عدم التخريب والإفساد في الأرض  فقد جاء في صحيح مسلم : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ – أَوْ خِلَالٍ – فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حكم اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» . إن الحديث في منتهى الرقي والأخلاق وشرحه أجمل منه ، وفوائده عديدة ومن أراد شرحه كاملاً  فهو في كتاب ( شرح صحيح مسلم ) للشيخ حسن أبي الأشبال .

فعل الصحابة بعد رسول الله :

——————————–

الصحابة خرجوا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- يقاتلون، فكانوا يَدْعُون إلى الله، ويراسلون الآخرين، ويبينوا لهم أن هدفهم إقامة شرع الله، وإقامة العدل في الأرض، وتطهير الأرض من ظلم الظالمين، وعدوان المعتدين، وطغيان الطاغين، هذا هدفهم لم يكن هدفهم سفك الدماء، ولا الغنائم، والتوسع في الأرض، إنما غايتهم هو الدعوة إلى دين الله، فمن قَبِلَ قُبِلُوا منه، ومن امتنع قاتلوه ، فكان الجهاد مَطْلَبًا، وكان دفاعًا، كل ذلك حق والله -جل وعلا- يقول: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَي﴾ [سورة البقرة : الآية 256].

إن المسلمين ليسوا قطاع طرق ولا مرتزقة ولا يأكلون بالسيف أموال الناس ولكن شعارهم : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ البقرة (194).

ولذلك فإن كل الفرق التكفيرية التي ظهرت مؤخراً ليست من الإسلام في شيء لأنها تعتدي على الناس وتظلمهم بدل أن ترفع عنهم الظلم وتدفع عنهم العدوان … وتخترع عقوبات ما جاء بها الإسلام وتخلط خلطاً مروعاً بين أنواع التأديب في الإسلام ولا سيما بين التعزير والاستتابة والحدود … وكل ما تفعله هو الإساءة للإسلام ونشر الرعب وتشريد البشر ….ولأن هذا الجيل – إلا من رحم ربك – يعاني من نقص شديد في علمه عن حقيقة الإسلام وهذا تقصير مريع سيُسأل عنه فهذا الجيل ينعق بكل ما يسمع من إساءة للإسلام لأنه لا يعرف كيف يرد عليها …. فلما رأى الناس فعل التكفيريين كرهوا تلقائياً مفهوم الجهاد جملة واحدة واشمأزوا منه وهذا مؤسف لأنها كراهية رد الفعل المتمثل بالخوف وهذا بالضبط ما يريده أعداء الإسلام …!!!!!!

إلى كل من ينظر بعين واحدة ممن يعادي عقيدة الإسلام ، وهي عقيدة المساواة والعدالة ورفع الظلم عن البشر وحماية حرية اختيارهم .. أليس أولى بكم أن تعادوا المعتدين حقاً ، ولماذا لا توجع ضمائركم حروبهم المفتراة التي قادوها و يقودونها إلى الآن ضد الدول المستضعفة لامتصاص خيراتها ، وآ ثار تدميرها مروعة في كل مكان .. ولماذا تُخدعون بادعائهم الرقي والتحضر … اسألوا عن إجرامهم فيتنام … اسألوا هيروشيما .. اسألوا بورما الآن في عصرنا هذا وقطع أجساد المسلمين المسالمين تشوى بعد الذبح والتنكيل.. اسألوا أفغانستان .. اسألوا العراق .. اسألوا فلسطين … اسألوا سوريا .و … و … !!!!!!!

الحديث الثاني : “بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم”. الحديث صحيح ، فقوله صلى الله عليه وسلم: ” بُعثت بالسيف “:يعني أن الله بعثه داعيا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره بالغيب ورسله إن الله قوي عزيز} . أي لقد بعث الله تعالى الرسل قبل محمد ومعهم المعجزات و الكتب وموازين العدل ، ولكن الناس لم يستقيموا ولم يُردعوا ولم يستجيبوا لداعي الله فأنزل الله تعالى بعد ذلك الحكم بالحديد أي السيف ( كناية عن القوة ) ، لحماية العقيدة المقدسة فأصبح هذا لازماً واجباً ..!!!

الحديث الثالث :  

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي، حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا ‏أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ، غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي ‏وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ مَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ، فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: ‏‏«تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ»‏ فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ ‏بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، انْصَرِفْ رَاشِدًا، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا، قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ ‏اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، ‏حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ، إِذْ طَلَعَ عليهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ ‏وَاحِدٍ، فَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، ‏قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ» ‏ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ، قَالَ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- دُونَهُ، يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي: {أَتَقْتُلُونَ ‏رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ ،قال ذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أساءت له قريش جداَ وغمزته بما لا يليق واستهزأت به وهو رسول السماء، والحديث ليس على عمومه ليقال إن الإسلام أو النّبيّ ـ صَلَى اللّه عليه وسَلّم ـ جاء بالذبح ـ كما يزعم السفهاء ـ بل جاء ‏الحديث مفسرا في بعض طرقه مبينا أن المقصود بالخطاب صناديد قريش، وأئمة الكفر منهم كأبي جهل وأبيّ بن خلف وعقبة بن ‏أبي معيط في سبعة نفر. بل جاء النّبيّ ـ صَلَى اللّه عليه وسَلّم ـ رحمة للناس كافة كما قال تعالى:  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ {الأنبياء:107}.

(جئتكم بالذبح ) قالها  المسيح أيضاً لأعدائه :

———————————————–

نعم إنَّ هذه الجملة التي يتمسك بها أعداء الإسلام  : ( جئتكم بالذبح ) هي  نفسها التي قالها عيسى عليه السلام في الإنجيل : حسب لوقا 19/27 : ( وأما أعدائي فأحضروهم إلى هنا واذبحوهم قدامي )!!!

 

ولكن لهذه الجملة المقتطعة من حديث النبي  معنى صحيح بلا شك ،مبرر، ولا ينبغي أن يثير الحيرة في نفس السائل ولا في نفس أي عاقل ، فالمقصود بالذبح هم أشخاص معينون محدودون ، فهم صناديد قريش الطغاة الجبابرة الغاشمين ‘ وهم أولئك الذين يصرون على الكفر بالله ، وعلى حرب الإسلام وأهله ، واضطهاد المستضعفين ، والتسلط على النساء والشيوخ من المؤمنين ، لفتنتهم عن دينهم ، وفرض مبادئهم وأفكارهم بالدم والتعذيب والتنكيل ، هؤلاء هم الذين قتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شر تقتيل ، طعنوا سمية زوجة ياسر في عفتها ، وقتلوا ياسر في شيخوخته ، وعذبوا بلالاً بالرمضاء ، وهموا بقتل خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يتركوا أسلوباً من أساليب التعذيب والظلم إلا مارسوه على هذه الفئة المؤمنة ، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة ، مكفكفين جراحهم ، ومتحملين آلامهم ، لعلهم يجدون لدى ملك الحبشة طعم الراحة والأمان . هذا بعض ما فعلته هذه الفئة من مجرمي كفار قريش مع المؤمنين ، أما عن تطاولهم على رب العباد فذلك شأن آخر ، حكاه الله عنهم في عشرات الآيات في القرآن الكريم . ألا يستحق هؤلاء – بعدئذ – القتل دفعا لشرهم ، وتخليصا للعباد من آذاهم .أليس من الحكمة والعقل مجابهتهم – في بعض الأحيان – بالقوة والتهديد والوعيد ، وذلك حين يطفح الكيل من مكرهم وظلمهم ؟ لماذا يحتار العاقل في قبول تهديد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالعقوبة العاجلة من الله عز وجل ، وهم أجدر بها ، وأحق بها من قوم عاد وثمود وسائر الأنبياء الذين عرفنا عدوانهم على الأنبياء والمؤمنين في القرآن الكريم ؟!ألهذا الحد ينسى العاقل ما فعله هؤلاء المجرمون بالمؤمنين المستعضفين ، وينسى أيام العذاب والهوان التي ذاقوها مما يتقطع له قلب كل إنسان وهو يقرأ صفحاتها ، ثم يتعاطف مع الجلادين – وهم صناديد كفار قريش – لأن النبي صلى الله عليه وسلم هددهم بالقتل والذبح مرة من المرات .أهكذا تقاس الأمور في موازين العقول ؟! وإذا لبَّس الحاقدون على الناس ، فاجتزؤوا هذه الكلمة من سياقها ، وأرادوا أن يظهروا النبي صلى الله عليه وسلم سفاكاً للدماء ، محباً للموت والقتل ، فلا يجوز أن ينطلي ذلك على العقلاء من المسلمين ومن غير المسلمين ، بل الواجب التعامل مع هذه الحادثة ، وكذلك كل حادثة بمقياسين مهمين رئيسيين 1 –  السياق الذي جاءت به ، ونوع المخاطبين بها ، والحادثة التي تفسرها وتبين المقصود منها .2 – النظر في جميع النصوص المتعلقة بالموضوع ، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى فهم نظرة الإسلام إلى المسألة ، وليس من خلال نص واحد فقط . ومن لم يفعل ذلك ضلَّ وتاه ، وباع عقله وفكره لكل ناعق بشبهة ، ولكل من يحسن الوسوسة بالشر والفساد . ونقول أيضاً :كيف تُصَدَّقُ دعوى مَن يدَّعي أن الإسلام جاء بقتل من لم يتبعه مطلقاً ، وقد علم الناس جميعاً علم اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن أهل مكة بعد أذاهم الشديد له فجاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) رواه البخاري (3231) ومسلم (1795)، وعفا أيضاً صلى الله عليه وسلم عن كفار قريش الذين ظلموا المؤمنين وأكلوا أموالهم بعد فتح مكة ، بل وأكرم بعض كبرائهم رجاء حسن إسلامهم ، وذلك حين قال – يوم فتح مكة – : ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ) رواه مسلم (331)؟! كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد شرع الله تعالى لنا قبول الجزية من أهل الأديان الأخرى ، والموافقة على بقائهم في حماية دولة الإسلام وكفالتها؟! والمسيح نفسه كان يدفع الجزية بانتظام للدولة الرومانية لأنه كان تحت ظلها حسب الأناجيل …!!!!!! كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد علمنا يقيناً كيف قبل النبي صلى الله عليه وسلم الصلح مع يهود المدينة ، وتعايش معهم رجاء أن يحفظوا العهد ولا يخونوا ، ولم يقاتل أحداً منهم حتى كانوا هم البادئين بالغدر والخيانة ؟!! ألم يقل رب العزة شارحاً مقاصد البعثة والرسالة في كلمة واحدة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/107. ؟!! بل قال عز وجل أيضاً : ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) الأنعام/147.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : “يقول تعالى : فإن كذّبك – يا محمد – مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ، فقل : (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ، وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله ، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين . ” تفسير القرآن العظيم ” (3/357 ) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ! قَالَ : ( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ) رواه مسلم (2599) .

نجمل أسباب الجهاد في الإسلام :

———————————–

– إيصال العقيدة الصحيحة إلى كل الناس وفعل المستحيل في سبيل نشرها وإزالة كل الحواجز التي تحول دون دعوة الناس إلى عبادة الله الواحد : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) البقرة (193) فالهدف هو وصول الإسلام إلى جميع الشعوب ثم بعد ذلك فهم أحرار في اعتناقه أو رفضه : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة 256  

– رد الإعتداء عن الإنسان في نفسه وأهله وماله وهذا حق مشروع  واجب فرضته طبيعة المواجهة بين الحق والباطل . (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) الحج

– نصرة المظلومين والمستضعفين في الأرض :  ( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) النساء (75)

– تحقيق العدالة الاجتماعية ومبدأ التعايش السلمي والدليل والدليل أن الإسلام أوجب نوعاً من الحروب تقوم على فض الخلافات والنزاعات ، وإقرار السلم بين الجماعات مهما كانوا

  ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الحجرات (9)

وقتال ناكثي العهود :  (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) التوبة (12)

(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) التوبة 13 / 14

– تأديب الخونة و الخارجين والمتآمرين على الدولة ( الخيانة العظمى ) كما في قصة شفاء الغرام مولاة عمرو بنى صيفى بن هاشم انتهى وهى التى حملت كتاب حاطب بن أبى بلتعة من المدينة ذاهبة الى مكة الى قريش .

 المهم أن الإسلام حرص على الدعوة إلى الله، وتبيين الحق، والجهاد باللسان والمال لإصلاح البشر وتعليمهم دين الله، إذا تهيأت الظروف والأحوال في زمان ما فالجهاد كمفهوم إسلامي أصيل لا يزال حيا مشروعا و له شروط صارمة جداً لا بد من توافرها وهي كثيرة ومتشعبة فهناك الشروط العسكرية ( أحوال المحارب والأسير والمستجير والرسل …….والهدنة والصلح …. )   والاجتماعية ( أحوال الرجل والمرأة والعجوز والخادم والصبي والراهب ورجال الدين و……) والاقتصادية ( الفقر والمال والممتلكات و………) والإنسانية ( الأعمى وذو العاهة و المرض والمجاعة والفاقة والموت ……..) وغير ذلك من الشروط .

الشروط إذا بدأ الجهاد :

————————-

 وهي إن دلت على شيء فإنها تدل على عظمة هذا الدين .. ولها أدلة من القرآن والسنة :

يقول أمير الشعراء واصفاً الجهاد وقد تمثل مفهومه جيداً بعبقريته المعهودة :

الحربُ في حقٍ لديك شريعةٌ …ومنَ السمومِ الناقعاتِ دواءُ

في الجهاد الإسلامي لا يؤخذ العدو على حين غرة دون إعلامه أما مسألة أن الحرب خدعة فالكلام فيها يطول لأن الخدعة تتمثل في قلب الأحداث وفي خضم المعركة تماماً كلعبة الشطرنج عندما تضع قلعتك مثلاً أمام خصمك ليقتلها ، في حين أنك تخطط في هذه الحركة لأبعد من ذلك بكثير لقتل الوزير مثلاً ….،فالحرب ذكاء وحصافة من أجل أقل عدد ممكن من الضحايا ، وهكذا كان خالد بن الوليد انتصاراته راقية ترفع الرأس  وخسائره في أدنى مستوى ، عدم مقاتلة غير المقاتل حامل السيف ، وعم التنكيل والتمثيل بالجثث ، وعدم التشفي ، وعدم التفريق بين الأم وأطفالها و عدم الإساءة للأسير‘ وعدم ملاحقة الفارين لإبادتهم ( كما فعلت،  داعش مع أهل كوباني وسنجار متخطية كل الأعراف الإنسانية )  ،في الجهاد في سبيل الله يحرم الإساءة لمظاهر الحياة الأصيلة كتسميم المياه وحرق الزروع وقتل الحيوانات وهدم الأبنية وتلويث الهواء ، ولا تقتحم البيوت لتسرق ، ولا تغتصب النساء ‘ ويحرم أن تستباح المدينة للجنود يفعلون فيها وبأهلها ما يريدون كما كان يفعل جنكيز خان مثلاً ..والشروط كثيرة جداً ولكني أوجزت ما استطعت كي لا أطيل جداً وأحسبني أحتاج إلى مقال آخر عن  حقيقة الجهاد في الإسلام وما يترتب عليه من الغنائم المادية والمعنوية وكيفية التصرف بها ولماذا وكيف ومتى ………فالموضوع شائق جداً وجميل وله أبعاد إنسانية رائعة ……!!!!!!!!!!

الدولة الإسلامية أم الدولة المدنية ؟؟!!!
——————————————

 الدولة المدنيّة دولة قوانينها وضعيّة أي من وضع البشر أنفسهم وهي دولة يعمل مواطنها ( الذي يحترم القانون ) بالرادع وليس بالوازع .. فهو لا يسرق لأن القانون يعاقبه ولكن إذا سنحت الفرصة فلا مانع ولقد حدث عطل في الكهرباء ليلاً في نيو يورك لمدة عشر دقائق تعطلت فيها أجهزة الإنذار سرقت فيها مئات المحلات …..!!! إياك أن تخدع بهذه الدولة فمواطنها أناني لا يعنيه إلا نفسه حتى الأولاد لا يكترثون بآبائهم في أحلك ساعات العمر وأقساها ويلقون بهم في مساكن العجزة .. والرجس في كل مكان فالزوجة لها عشاقها والزوج كذلك لأن القانون لا يمانع ..والزوجة حتى وإن كانت خائنة تستطيع أن تلقي بزوجها في الشارع وتستولي على ماله وممتلكاته فلها ما يعادل 65بالمئة من كل شيء ( القانون الأمريكي ) ، والزوج يستطيع أن يسكر و يقامر و يضرب زوجته متى شاء طالما أن القانون لا يراه وفي فرنسا افتتحت مؤخراُ ملاجئ خاصة للزوجات المنكل بهن وهربن من أزواجهن وتسجلن تحت أسماء مستعارة …!!!!  وبسبب الحرية المزعومة  تفشى سرطان اجتماعي اسمه المثلية الجنسية  وأصبح الرجل وببساطة يتزوج رجلاً ويتبنى ولداً ويصبح هذا الولد مفصوماً ( شيزوفرينيا ) فيما بعد لأن عقله لم يعد يتحمل كل هذه الشذوذات التي يراها وتخربت الأسر والبيوت وازدادت نسبة الطلاق بشكل مريع وتشرد الأولاد وتعاطوا المخدرات وانحرفوا وتستطيع ببساطة أن تقرأ عن فضائل الدولة المدنية الغربية ولا سيما الراقية جداً كالدول الاسكندنافية التي سجلت أعلى معدلات الانتحار في العالم كله ………!!!! وإن بدت من الخارج سليمة ولأنها طافحة بالأمراض الحقيقية وعلى رأسها المشاكل الاجتماعية والأخلاقية المروعة فهي لا بد أن تسير نحو الهاوية ولقد كانت روما في أوج مجدها وتطورها عندما تفشت فيها كل هذه المصائب فانهارت وانقرضت وهذا ما سيحدث للعالم الغربي وسيكون قد خسر الدنيا والأخرة بكل جدارة ….

الدين الإسلامي يمنحك الراحة والطمأنينة والسكينة والهدوء والاتزان والطهارة المادية والمعنوية والرحمة والعدل والتكافل والدين الإسلامي دين غيري وليس ديناً أنانياً يحض على الجماعة ويثيب على إصلاحها ، ويعاقب على تفريقها وتشتيتها .!!!

فأجب أيها العاقل  : الدولة الإسلامية أم الدولة المدنية العلمانية …؟؟؟؟؟؟؟ كل ما يسعني أن أقوله لك إياك أن تبيع بيتك المريح النظيف الدافئ لأن سلمه من الخشب  ، وتشتري بدلاً منه بيتاً عفناً نتناً مظلماً لأن سلمه من الرخام الأبيض ……………!!!!!!!    

حقيقة النبي يحيى عليه السلام في الكتب المقدسة

ليس من شك في أنَّ يحيى بن زكريا نبيٌّ من أنبياء الله الكرام، وهو نفسه يوحنا المعمدان (ابن خالة المسيح) في الأناجيل  عليهما السلام، وقد جاءت نبوة (يحيى) صريحة في القرآن الكريم “آل عمران آية39” : (أنَّ الله يبشرك بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) وأما عصره فقد كان على أيام المسيح ، وقد كان يحيى  (يُعمِّدُ) القومَ، أي يُغَسِّلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا ( فكانوا يتعمدون على يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم ) متى 3: 6  ،  وكان المسيح نفسه ممن عمَّدهم  النبي يحيى (للتوبة من الخطايا ) ) !!!  : ( ثم جاء يسوع من منطقة الجليل إلى نهر الأردن ، وقصد إلى يوحنا ليتعمَّد على يديه) متى 3 / 13 و حاول يوحنا أن يثنيه بقوله : ( أنا المحتاج أن أتعمد على يديك ) متى 3 / 14 فكيف رد المسيح..؟! وانتبهوا جيداً إلى ذلك النبي المسيح عيسى الذي أراد الانضباط بكل عبادة مفروضة على اليهود لأنه نبيهم الخاتم فلا بد أن يكون قدوتهم  وأسوة لهم ..!! ردَّ قائلاً : ( اسمح الآن بذلك فهكذا يليق بنا أن نتمَّ كلَّ بر ) !! متى 3 / 15

ولقد زكَّا الإنجيل النبيَّ يحيى ( يوحنا ) فقال فيه كلاماً مشابهاً  لما قيل في المسيح يدل على فضله وتقواه وطهره ، وذلك عندما بشرالملاك زكريا بولادة يحيى ( يوحنا) عليهما السلام في لوقا 1/ 13- 15 : (وزوجتك أليصابات ستلد لك ابناً وأنت تسميه يوحنا وسوف يكون عظيماً أمام الربّ ولا يشرب خمراً ولا مسكراً ويمتليء بالروح القدس وهو بعد في بطن أمه ) !! وهذا كما بشر الملاك تماماً بولادة المسيح عيسى بن مريم  في لوقا 1/ 31-32 : (و ها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع إنه يكون عظيماً ) بل أكثر من ذلك لمن يعقلون فقد قارن الملاك لمريم بين حَمْلها وبين حَمْل أليصابات زوجة زكريا معللاً بأنه ليس لدى الله ما يعجزه..!! ولذلك فإن حالة مريم تشبه حالة قريبتها ألياصابات لأن الحالتين كلتيهما تدلان على معجزة !! بقوله في لوقا 1/ 36 : ( وهاهي نسيبتك أليصابات أيضاً قد حبلت بابن في سنها المتقدمة وهاهو الشهر السادس لتلك التي كانت تدعى عاقراً فليس لدى الله وعد يستحيل إتمامه ) !!! إذاً يَعِدُ الملاكُ مريمَ البتول بولد تماماً كما وَعَدَ نسيبتها بولد !  وحال النبي عيسى تشبه كثيراً حال النبي يحيى ولا غرابة فهما ابنا خالة نبيان ، أرسلا معاً في وقت واحد لليهود المشاكسين دائماً أبداً الذين لا يعجبهم أحد وقد عبر عن ذلك المفهوم نبيهم عيسى نفسه إذ قال في متى 11 / 18 – 19: “جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا : إن شيطاناً يسكنه ! ثم جاء ابن الإنسان “المسيح” يأكل ويشرب، فقالوا : هذا رجل شره وسكير، صديق لجباة الضرائب والخاطئين ) ! ويقول  “جون فنتون” في تعليقه على هذه الفقرة: “لقد دعا كل من يوحنا المعمدان “يحيى بن زكريا” والمسيح إلى التوبة، لكن اليهود لم يستجيبوا لهما. فاليهود يشبهون أولاداً سيئي المزاج مثيرين للخصام، لا يعجبهم شيء.لقد عاش يوحنا بينهم ناسكًا متقشفًا فقالوا: به شيطان، ولما لم يكن المسيح متقشفًا قالوا: إنه ماجن ملحد!”. ثم هل من المقبول والمعقول أن المسيح يقارن بينه وبين ابن خالته إن لم يكن الاثنان من البشر والأنكى أن ابن خالته عند المقارنة يكون أفضل منه ..!!  فكيف يكون أفضل وأطهر من (الناسوت) الذي سيصبح ابناً لله فيما بعد ..!! وهذا دليل قاطع على أن المقصود بابن الله هو أبوة الانتساب وليس أبوة النسب حاشى وكلا..!! لا سيما إذا علمنا أن الكتب المقدسة تعلن أن آدم كان ابناً لله  ففي لوقا 3/ 38 : (آدم ابن الله ) !! و(إسرائيل = يعقوب ) ابنه البكر ففي الخروج 4/22 : (هذا ما يقوله الرب :إسرائيل هو ابني البكر)..!! و داود كان ابن الله المدلل الذي يكسر ميراث الأمم ..!! ( في الكتب المقدسة )    ..!!!   (قال لي الرب أنت ابني أنا اليوم ولدتك اطلب مني فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصي الأرض ملكاً لك فتكسرهم بقضيب من حديد وتحطمهم كآنية الفخار  ) المزمور 2/7- 9 ، بل أكثر من ذلك فكل صانع للسلام هو ابن الله أيضاً كما في متى 5 / 9 : (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَون )  والعجيب أن الله يعمم  ويتخذ أبناءً من الأنبياء بالنص ويأبى البشر إلا أن يخصصوا نبياً ابناً واحداً ( بالهوى) ، فسلام على العقول التي تعي و( سلام ) على العقول المغلقة حتى إشعار أخر..!!!    

   نعود لنؤكد على أن يحيى قد امتلأ أيضاً بروح القدس تماماً كما امتلأ المسيح وهو بعدُ في بطن أمه ، ولا نجد أي تميّز يُذكر بين النبيين اليهوديين..!! ولكن المسيحيين يتغافلون عن أن يوحنا أيضاً جاء ممتلئاً بالروح القدس وأنَّ المسيح زكَّاه بكلام متميز، فهم لا يعجبهم أنْ (يسرق) يوحنا المعمدان الأضواءَ ( المُعدة خصيصاً ) للمسيح ، لا هم ولا بولس ( شاؤول اليهودي أعدى أعداء المسيح ) الذي قال في رومية 7 / 6 : (الآن فقد تحررنا من الناموس ) فَمَنْ ؟! ثم مَنْ؟! ثم مَنْ؟!  أَذِنَ لبولس أن يُلغيَ ما شدد عليه المسيح وينقضَ بناءه !! وكيف تحرر من الناموس..!! وكيف يزعم أنَّ المسيح أذن له بهذا ؟! وأقوال المسيح المثبتة في الأناجيل كلها تنفي ذلك ..!! فبولس يريد أن يرفع المسيح إلى رتبة إله ، ليأخذَ محله ويغيِّر في الدين على هواه !  وفي الشرع الذي نبه المسيح كثيراً على عدم العبث به..!! قال المسيح نفسه في إنجيل متى 5 / 17 – 18 : (لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة والأنبياء . ما جئت لألغي بل لأكمل، فالحق أقول لكم إلى أن تزولَ الأرضُ والسماءُ لن يزولَ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدة من الشريعة حتى يتمَّ كلُّ شيء، فأيُّ من خالف واحدةً من هذه الوصايا الصغرى وعلّمَ الناسَ أن يفعلوا فعله يُدعى الأصغرُ في ملكوت السماوات، وأما مَنْ عمل بها وعلّمها فيدعى عظيماً في ملكوت السموات .) !

ولذلك لما زاد الأمر عن حده في تأليه عيسى واشتبكت الأمور اللاهوتيّة- الناسوتيّة بحيث لا يستطيع عاقل على وجه الأرض أنْ يقبلَ بهذا الخلط المريع بين الخالق والمخلوق ، انبرى بعض الباحثين الغربيين الذين لديهم مكانة مرموقة في فلسفة الأديان انبرى إما ليقول إنَّ المسيح مجرد فيلسوف إنساني مصلح من أصحاب المدرسة المثاليّة !! ( مفهوم المدينة الفاضلة ) كان يدعو إلى السلام وفقط السلام ( من ضربك على خدك فأدر له الآخر .. ومن سرق رداءك فاخلع له إزارك أيضاً !!) ، وبالطبع فإنَّ هذا المنهج الفلسفي المثالي غير الواقعي يحتمل مفهوم الأساطير والخرافات !! أو أنَّ المسيحَ شخصية لا وجود لها أصلاً بل هي مُختلقة بكل الأحداث التي مرتْ بها ..!! وذلك لوجود تضارب عجيب بين أقوال المسيح في الأناجيل وتصرفات لا يمكن حتى للجهلة أنْ يفعلوها كلعن شجرة التين لأن المسيح اقترب منها فلم يجدْها مثمرة فلعنها ..!! ، والوقت لم يكن وقت تين أصلاً وليس للشجرة ذنب في عدم إثمارها فلماذا يلعنها ؟! وعلى أي خطيئة ارتكبتها ؟!  ثم يقولون إن الأناجيل لم تعبث بها أيدي البشر ..!!!

 هل حقاً كان يوحنا المعمدان يمهد لقدوم المسيح :

أولاً :  هل من المقبول والمعقول أنَّ النبيَّ الذي انتدبته السماء للتبشير بأحد ما ، لا يعرف على وجه الدقة من هو الذي سيبشرُ به ..؟؟!! و هل تركتْ له السماءُ الأمرَ غامضاً كي يستنتجَ المبشِرُ مَنْ هو المبشَرُ به !! هل هي بُشرى إلهية واضحة عن رسول بعينه ، أم أنَّ السماء تعبث فترسل ألغازاً والذي يختاره الحظ يكون هو المبَشرُ به !!! تعالوا أصدقائي لنستمعَ بمنتهى الهدوء ولا تقبلوا كلاماً بلا دليل . 

ذكرتُ أنَّ المسيحَ حسب الأناجيل تعمَّدَ على يد يوحنا المعمدان الذي كان يُغَسِّلُ الناسَ في نهر الأردن من أجل التوبة ومغفرة الخطايا . وأما الحوار الذي دار بينهما عند التعميد ، فهو يدل على أن يوحنا يعلم جيداً من هو عيسى المسيح ( يعلم على الأقل  أنه أفضلُ منه ) ولذلك قدم له الاحترام فحسب متى 3 / 13 : (  ( ثم جاء يسوع من منطقة الجليل إلى نهر الأردن ، وقصد إلى يوحنا ليتعمد على يديه لكن يوحنا أخذ يمانعه قائلاً : ( أنا المحتاج أن أتعمد على يدك وأنت تأتي إلي ..؟!) ثم إنَّ هبوط ( روح الله ) على شكل حمامة بعد التعميد ، والصوت الذي نزل من السماء ، يدل على أن المعمدان أصبح يعرف المسيح معرفة يقينية عظيمة ، فكيف وفي إنجيل متى نفسه نرى يوحنا يرسل من سجنه ( قبل قطع رأسه بقليل ) يرسل استفساراً وأسئلة للمسيح مفادها أنه لا يعلم عنه من يكون ..إنه تخبط مريع !! وذلك في  متى 11 / 2 – 3 : ( أما يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه وقال له : أنت هو الآتي أم ننتظر آخر غيرك ؟! ) !! أولاً : نستنتج فوراً من سؤال يوحنا المعمدان الذي أرسله للمسيح مع تلميذيه أن يوحنا المعمدان كان ينظر إلى عيسى كنبي وليس كإله ، لأنه سأل بكل وضوح هل أنت النبي الموعود أم ننتظر نبياً آخر غيرك ؟! وهذا يؤكد فعلاً أنَّ هناك نبياً أخيراً ينتظره الجميع هو( المسيَّا المنتظر) أوبالعبرية (ها ماشيح ) ! وكنت قد ذكرت لكم ( في الأجزاء السابقة ) أن ها في العبرية تعني أل التعريف وقد وضع اليهود أل التعريف هذه عمداً على كلمة (ماشيح) لتمييز لقب النبي المنتظر أي المسيح الرئيس عن غيره من الممسوحين ( الأنبياء) . والآن دققوا في إجابة المسيح وقد عُرف عنه الوضوح لأنه المعلم وعرف عن يوحنا المعمدان النباهة في فهم الجواب لأنهما كلاهما قد قرأا التوراة وحفظاها عن ظهر قلب ، وعرفا منها صفات ( المسيا المنتظر)  الذي سوف يأتي بعدهما في مستقبل الزمان فهما (متعاصران)  ، هذه الصفات التي بُثت صريحة واضحة في كل الأسفار اليهودية المقدسة  : ( فقال لهما يسوع اذهبا وأخبرا يوحنا: العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون وطوبى لمن لا يشك فيَّ ) متى 11 / 4 – 6  كأني بالمسيح يقول للمعمدان لست أنا المنتظر!! فأنا نبيٌ لليهود و أعمالي تتلخص في  هذه المعجزات التي أيدني بها الله كي يكترثوا بي و يصغوا إلى تبشيري بالملكوت القادم، ولا يشكّوا في إرسالي من عند ربي !! فأنا لست المسيا المنتظر الذي جاءت مواصفاته في التوراة في أنه قائد عسكري يفتح الممالك بحد السيف، ويقهر الظلم، ويحمل للناس قانون العدل الإلهي لأنه (يخرج للقضاء بين الأمم) ! وبالمناسبة فحتى معجزات المسيح قد قام بمثلها أنبياء سبقوه بل بأعظم منها ..!! كما جاء في كتب اليهود المقدسة  نفسها فالنبي إيليا أحيا ابن الأرملة في سفر الملوك الأول 17 /17 – 24  :  ( فاستجاب الله دعاء إيليا ورجعت نفس الولد إليه فعاش …..فقالت المرأة لإيليا الآن عرفت أنك ابن الله وأن الله ينطق على لسانك بالحق ) !! واليسع أحيا ابن الإسرائيلية في سفر الملوك الثاني 4 / 32 – 37 فما كان منها إلا أن سجدت له امتناناً : ( فسجدت على وجهها إلى الأرض عند قدميه ثم حملت ابنها وانصرفت ) !! وفي ذلك تأكيد قاطع على أن سجودهم للمسيح ليس لأنه إله أو ابن إله فالسجود تحية قديمة تدل على عظمة الشخص المسجود له وقد جاء الإسلام ومنع سجود المخلوق للمخلوق منعاً قاطعاً ..!!  بل إن النبي حزقيال أحيا بشراً كثيراً ( ستون ألفاً ) كانوا في الوادي عظاماً نخرة وذلك في سفر حزقيال 37 / 1 – 10  حيث دبت فيهم الحياة وانتصبوا على أقدامهم جيشاً عظيماً. !!

 ثانياً : هناك أمر خطير جداً يجب الانتباه إليه وهو أن إنجيل يوحنا خالف الأناجيل الثلاثة فيما يتعلق بقول يوحنا المعمدان عن النبي المنتظر وهذه الإضافة التي انفرد بها إنجيل يوحنا  بالذات هي التي لفتت علماء النقد وبقوة، فتابعوا واستمتعوا بكشف الغطاء وتجلية الحقائق : أجمعت الأناجيل متى 3/11  و مرقس 1/7 و لوقا 3/16 أن يوحنا المعمدان ( ابن خالة المسيح ) قال عن النبي المنتظر أنه سيأتي بعده أي في مستقبل الأيام فهو إذاً ليس متعاصراً معه مطلقاً بينما إنجيل يوحنا قال عنه في يوحنا 1 / 26 ( في وسطكم قائم )!! والعجب كل العجب أن إنجيل يوحنا الذي جعل من عيسى إلهاً ( في البدء كان الكلمة) كيف يجعل منه بعد بضعة أسطر فقط النبي المنتظر ( المسيا المنتظر ) ؟! حقاً كما قال المنصف العتيد ول ديورانت إن هذه الأناجيل مجرد شتات مضمومة )!! أما في إنجيل برنبا 42/5 (ظل هذا الإنجيل معتمداً مائة عام عند النصارى قبل أن يُحظر ! ) فإن الكلام الذي قاله يوحنا المعمدان هو نفسه كلام المسيح عن النبي القادم المنتظر وكذا في برنبا 44/ 27 يقول المسيح : (ما أسعد الزمن الذي سيأتي به إلى العالم صدقوني إني عرفته وقدمت له الاحترام كما عرفه كلُّ نبي لأن الله يعطيهم روحه نبوة ) !! والآن سواء كانت الجملة مروية على لسان المعمدان أم على لسان عيسى فتابعوا ما يقوله الأسقف دافيد بنيامين الكلداني في كتابه محمد في الكتاب المقدس الصفحة 172  : ( إن كلمة بعدي تستبعد عيسى وبكل وضوح من أن يكون هو المبشر به ! لأن عيسى ويوحنا ولدا في سنة واحدة وعاصر أحدهما الآخر وكلمة بعدي تدل على مستقبل غير معلوم وبلغة النبوءات تعبر عن دورة أو أكثر من دورات الزمن وكل دورة زمنية تقدر بنحو خمسة قرون أو أكثر حيث تظهر الشخصية اللامعة المبشر بها ..!! ) ويؤكد الأسقف المهتدي دافيد بنيامين ( عبد الأحد داود ) : ( لم يكن عيسى المقصود عند يوحنا لأنه لو كان الأمر كذلك لاتبع يوحنا عيسى وخضع له كتلميذ وتابِع، ولكن لم يكن الأمر كذلك إذ على العكس نجده يعظ ويعمد ويستقبل التلاميذ ويلقنهم ويوبخ هيرودوس ويقرع الطبقات الحاكمة اليهودية ويتنبأ بمجيء نبي آخر أقوى منه وأقدر دون أن يعير أدنى التفاتة لوجود ابن خالته عيسى في يهوذا أم الجليل فهو قدم لهم عيسى وعمده كما يعمد أيَّ يهودي آخر،غير أنه أخبر بوضوح أن هناك نبياً آخر قادم لا يستحق يوحنا شرف الانحناء ليحل سيور حذائه !! وعندما أتأمل في كلمة أقوى مني أتأمل في عملية القبض على المعمدان البائس وقطع رأسه بوحشية .! وأتأمل بالكيفية المأساوية لجلد عيسى وتتويجه بتاج من الشوك ! ثم أتوجه بنظري إلى دخول السيد الظافر العظيم سلطان الأنبياء محمد إلى مكة وتدميره الكامل لجميع الأصنام وتطهير الكعبة المقدسة والمنظر الخلاب للأعداء المدحورين على قدمي الشيلوها أي رسول الله العظيم المنتصر يطلبون منه العفو والرحمة ويعلنون إيمانهم بالدين الجديد … عندها أفهم فهماً  كاملاً معنى اعتراف المعمدان وقيمة كلماته إنه أقوى ) !!  انتهى كلام الأسقف

 وقد ورد تأكيد لما سبق  في كتاب ( الإعلام  ) : أَن الْمَسِيح لم يكن أقوى من يوحنا  ولاسيما أنهما كَانَا من الدعاة الْفُقَرَاء وَلم يَكُونَا من الْمُلُوك الْأَغْنِيَاء ، كَانَا من الْأَنْبِيَاء العامة وَلم يَكُونَا من الْأَنْبِيَاء الْمُلُوك كداوود وَسليمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام . ( بل على العكس كان يوحنا في الأناجيل جهوري الصوت أقوى من المسيح المسالم بكثير فكان يوحنا يوبخ اليهود بقسوة وكان أشد قوة واحتمالاً من المسيح الذي قال – نفسي حزينة حتى الموت – والذي ضعف و خاف و جزع فصرخ صرخة مدوية على (الصليب) وكأنه قد علم لتوه أنه منتدبٌ من أبيه لتخليص العالم الخاطئ)!!

 تقول الأناجيل بعد (مقتل) النبي يحيى ( يوحنا المعمدان ) أخذ عيسى عليه السلام على عاتقه ما بدأه يوحنا فقد كان عيسى يبشر بما كان يبشر به يوحنا حرفياُ لأن الإثنين كانا يبشران بقدوم نبي خاتم أخير هو النبي المنتظر أو المسيح المنتظر أي الممسوح من الله بالاصطفاء ( قبل مسحه بالزيت المبارك ) والدليل القاطع والبرهان الأكيد من إنجيل متى فاستمعوا وأنصتوا يا أصحاب الشأن لعلكم تهتدون إلى الحقيقة ..!!

ورد في متى 2 /  1 : ( ظهر يوحنا المعمدان في برية اليهودية يبشر قائلاً : < توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات > ) وورد في متى 4 / 12 _ 17  :   ( ولما سمع يسوع أنه قد ألقي القبض على يوحنا عاد إلى منطقة الجليل …..من ذلك الحين بدأ يسوع يبشر قائلاً : < توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات > ) !!!! وفي متى أيضاً 4 / 17 : ( من ذلك الحين بدأ يسوع يبشر قائلاً : < توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات > ) وكذلك في متى 4 / 23 : ( وكان يسوع يتنقل في منطقة الجليل كلها ، يعلم في مجامع اليهود وينادي ببشارة الملكوت ) !! والملكوت الذي كانا يبشران به هو ملكوت (السماء والأرض معاً ) الذي يعبر عنه القرآن (بالدنيا والآخرة)

في متى 6/9 : ( إلهنا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك في السماء كذلك على الأرض )..!!لذلك فهما كانا يبشران بملكوت أرضي أيضاً أي بدين محمد أي بالعمل والجزاء وليس بالصلب والفداء !!ها هو النبي عيسى يقوم بدور النبي يحيى قبل وبعد (مقتله) لأنه وببساطة نبي مثله تماماً ويعمل عمله نفسه وما أوكل إليه عند غيابه ..!! أما السذاجة التي مللنا منها و التي مفادها : أن عيسى كان يبشر بناسوته تمهيداً لمجيء لاهوته ..!!! فهي هنا تريدنا أن نصدق أن السماء كانت تعاني من أزمة أنبياء !!!!!!

 في كتابه البديع ( إظهار الحق ) يقول (رحمة الله الكيرانَوي الهندي) : إنَّ كلاً من يحيى وعيسى والحواريين والتلاميذ السبعين بشر بملكوت السماوات، وبشر عيسى عليه السلام بالألفاظ التي بشر بها يحيى عليه السلام، فعلم أن هذا الملكوت كما لم يظهر في عهد يحيى عليه السلام فكذلك لم يظهر في عهد عيسى عليه السلام ولا في عهد الحواريين والأتباع السبعين بل كل منهم مُبشِّر به ومُخبِر عن فضله ومترجٍّ لمجيئه) !! 

وجاء في تعليق دوملو Dummelow على الكتاب المقدس ص 613: ” لا توجد نبوءة مسيانية (أي عن المسيح) في سفر ملاخي بالمعنى الاعتيادي”! ثم، إنّ النصارى سيجدون حرجا شديدا في إثبات أنّ المسيح هو الربّ وأنّ المعمدان هو الملاك المرسل ليمهد لقدومه. لأنه يفهم من إنجيل متّى أنّ المعمدان ما كان واثقا من أنّ عيسى هو من كان ينتظره؟!: ” ولما سمع يوحنا، وهو في السجن، بأعمال المسيح، أرسل إليه بعض تلاميذه، يسأله: ” أأنت هو الآتي، أم ننتظر غيرك؟ ” (إنجيل متى 11: 2- 3) فكيف انتدبت السماء المعمدان للتبشير عن المسيح وهو لا يعرف إذا كان هو فعلاً الذي أوكلت إليه مهمة التبشير عنه ؟! ومن جهة ثانية كيف لا يعرفه وقد عمده بيده في نهر الأردن وأعلن له الاحترام ونزل على كتفه روح الله   ..؟!!!! نريد مجيباً يحترم العقل ..!!

ومات المعمدان، حسبما يفهم من الأناجيل،  (مقتولاً في السجن) ولم يؤمنْ أو يتبع المسيح.. فكيف يقال إنَّ المعمدان هو الملاك الذي كانت وظيفته الرئيسية هي التمهيد لمجيء” الآتي يسوع المسيح”. لقد كان المعمدان يعلّم التلاميذ، ويعظ الناس، ويعمّد التائبين، ويوبّخ الملك هيرودس، ويقرّع الطبقات الحاكمة ويتنبأ بمجيء نبي آخر أقوى-” أنا أعمّدكم بالماء لأجل التوبة، ولكنّ الأتي بعد هو أقدر مني، وأنا لا أستحق أن أحمل حذاءه” (متّى 3: 11) – دون أن يعلن لتلاميذه ولسكان فلسطين، في مسيرته الدعوية، أنه قد قرّر أنّ المسيح هو” هذا الآتي” وأنه قد بعث للتبشير بمجيئه مقررا تسخير حياته لهذا الأمر.!!!

لقد كان يوحنا المعمدان يهيء الطريق أمام سيد قادم بعده، لا سيد معاصر له، وهذا السيد القادم ليس بالمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، ولكنه محمد صلى الله عليه وسلم .

 حقيقة نبوءة سفر ملاخي

وردت النبوءة بمحمد فى سفر ملاخى آخر الأسفار اليهودية فى الكتاب المقدس. وكلمة ملاخى فى العبرية التوراتية تكتب ملاكى ( חילאכי ) بالكاف وليس بالخاء ، مع العلم بأنَّ الخاء لا توجد فى العبرية القديمة ذات (الاثنين والعشرون) حرفا . وملاكى في العبرية معناها رسولي أو نَبِيِّ .

 إن إنجيل متى يتكئ وبقوة على نبوءة سفر ملاخي فزعم أن سفر ملاخي أشار إلى  أن المبشِر هو يوحنا والمبشَر به هو المسيح  حيث يقول إنجيل متى 11 / 10  على لسان المسيح واصفاً وظيفة يوحنا  ( هذا هو الذي كتب عنه ها إني مرسل قدامك رسولي الذي يمهد لك طريقك ) أي الذي كتب عنه في سفر ملاخي وهنا يجب أن أنبه تنبيهاً شديداً على أن كل جملة ( كُتب عنه )الموجودة أصلاً في التوراة ، والتي ترد في الأناجيل على أنها للمسيح هي لمحمد حصراً !!  لذلك ترى إنجيل متى مثلاً يحذف من هذه النصوص كما يشاء كي يصبح ما تبقى مناسباً للمسيح وهذا العبث بالكلام النصي تحدث عنه المنصفان الشهيران فونتون وديورانت !! 

تعالوا وافتحوا معي سفر ملاخي ولنقرأ النبوءة المترجمة إلى العربية أولاً  (هناك نبوءة أخرى في ملاخي أيضاً) :  (ها أنذا أرسل رسولي فيمهد الطريق أمامي ويأتي الرب الذي تطلبونه فجأة إلى معبده ، (ملاك) العهد الذي تسرون به يقول الرب القدير ) ملاخي 3 / 1 – 2  كلمة (ملاك) هنا ترجمة خاطئة بل هي رسول تماماً كأول كلمة في النص وهذا سيوضحه نص النبوءة بالإنكليزية الذي سيأتي بعد قليل !! فهذه الكلمة أخذت من النسخ اليونانية التي ترجمت عن الآرامي فوقعت في أخطاء عجيبة لأنها استخدمت المصطلحات الدينية الإغريقية مثل ( أنجيلون ) أي الملاك حصراً !!

  لا شك أنَّ البحثَ في نصوص الكتب المقدسة يحتاج إلى صبر وهدوء ، ولكن من المهم جداً أنْ يكونَ الباحثُ موضوعياً منصفاً وغيرَ متحامل وغيرَ متعصب ، وإلا فإن دراسته لا قيمة لها ولا ترقى إلى مستوى البحث العلمي الجاد ، وفي هذا المعنى يقول المسيح لمن حوله ( أخرج أولاً الخشبة من عينك وعندئذ تبصر جيداً ) متى 7 / 5 ، وأن يكون الباحث على الأقل ملماً بلغة النص الأصلي ، ثم عارفاً بلغات الترجمة التي نُقل إليها إن لم يكن متقناً لها لأنه لا يوجد كتاب على سطح الأرض تضاربت الترجمات بشأنه كالكتاب المقدس مما أفقد نصوصَه المعنى الأصلي ..!! ولو وقف الأمر عند هذا الحد لكان أمراً يسهل إصلاحه مِنْ قِبَل المتخصصين اللغويين ، ولكن الموضوع أخطر من ذلك بكثير فهناك من المترجمين الذين نقلوا الكتاب المقدس إلى لغات أخرى من حذف من النص الأصلي جملاً بأكملها لأنها ببساطة لا تخدم ( الفكر الديني ) الذي يدعو إليه !!!! وهؤلاء يقعون تحت طائلة العقوبة الإلهية المخيفة لتي تحدث عنها المسيح نفسه (كل كلمة باطلة يعطى عليها المرء حساب يوم الدينونة ، فإنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان ) !! ) متى 12 / 36 – 37    وهذا ما أخبر به القرآن  : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة / 79  أسأل الله تعالى أنْ يبصرَنا بالحقيقة ولا يجعلنا ممن قادهم هواهم على العبث بكلام الله ..!!

يعرض الباحث المتميز الأستاذ جمال الدين الشرقاوي دراسة قيمة جداً في كتابه  (يحيى أم يوحنا ) مفادها أن النص الأصلي لسفر ملاخي كتبه اليهود بأسلوب عبراني جيد بعد عودتهم من الأسر لبابلي ( 480 -460 ق. م) ولكن اللغة التي كانت سائدة في ذلك الوقت ليست العبرانية القديمة ..!! فقد كان قلة من علماء الدين ممن يتقنها آنذاك بل كانت اللغة المسيطرة هي اللغة الآرامية التي كان يتكلم بها كل الشعب وبقية رجال الدين ممن هم الغالبية !!! ويجب أن تعلموا أن هذا النص الواحد القصير ترجم إلى العربية على عدة أوجه وكلها مختلفة والخلط عجيب وغير مقبول <من كتب  (مقدسة) معتمدة>  بين كلمات هامة لم تتحدد هويتها كالرسول والسيد والرب والملاك ورسول الميثاق..!!! الفانديك 77 / الحياة 88 / الكاثوليك 93 / الآباء اليسوعين91  

جدول 1

فمرة رب الجنود ومرة رب الجموع ومرة الرب القدير ومرة رب القوات ومرة تحذف المفردة كلها ..!!!! والحقيقة أن الكلمة الأصلية       وهذه  (LORD) .  … ( كبيرة  جميع حروفها أي أن ( (Capital letter) ، هذه الكلمة تعني إله اليهود الخاص بهم الذين يرمزون له بالحروف الأربعة المقطعة ( ي ه و ه )  ى هـ و هـ  יהןה ونحن نقرأها تجاوزاً ( يهوه) أما هم فلا يقرؤونها هكذا بل إذا شاهدوها قرؤوها (أدوناي) أو(ها.إشِمْ ) أي ( الاسم ) لأن السين في العربية تصبح شين في العبرية

. (Lord) الكلمة التي حرفها الأول فقط  هو الحرف الكبير فمعناها السيد ، رب الأسرة ، رب الجنود ، رب التلاميذ ، ( المعلم )، رَبي ، (رابي)، وربوني ، ورِبي ( بكسر الراء ) وهذه الأخيرة وردت في القرآن بصيغة جمعها ( رِبيون) لأن الجذور اللغوية واحدة في العربية والعبرية والآرامية ، ولذلك كان التلاميذ ينادون المسيح في الأناجيل يا معلم أو ربي أو ربوني ( كما نادته مريم المجدلية ) ليس لأنه إله ولكن لأنه معلمهم المبجل تماماً كما كانوا تلاميذ يوحنا المعمدان ينادونه وهذا كله مثبت في الأناجيل ..!!! فكلمة (رب) بكل مشتقاتها تصلح بالعبرية والآرامية والعربية لأي شخص له مكانة متميزة ولكنه ليس إله أبداً !.والعجيب أنَّ مترجمي الأناجيل لا يحترمون النص الأصلي الذي له مفرداته الأم فيحرفون الكلمة على هواهم.!! وهذا ليس خطأ علمياً بقدر ما هو جرم أخلاقي..!! لأنهم يترجمون نصاً من المفروض أنه مقدس فهل رب الجنود مثلاً هو رب الجموع ..!! لذلك يتوجب علينا أولاً إعادة المفردة إلى أصلها النصي بالتدريج وهذه هي الترجمة الإنكليزية أولا لتكون بمثابة جسر نحو المعنى الحقيقي . 

 Behold , I send my messenger to prepare the way before me , and the Lord whome you seek will suddenly come to his temple . the messenger of the covenant in home you delight behold , he  is coming , sayes the LORD of hosts “ . هاأنذا أبعث برسولى ، ليمهد السبيل أمامى ، وسوف يأتى فجأة إلى معبده السيد الذى تلتمسون مجيئه . رسول الميثاق الذي ترغبون ، هو ذا يأتي . هكذا قال رب الجموعقبل كل شيء يجب أن تنتبهوا إلى أن السيد الذي سيأتي فجأة إلى معبده والذين يلتمسون مجيئه هو نفسه رسول الميثاق الذين يرغبون بمجيئه   ( حسب سياق الإنكليزية ) .  . 

 هأنذا أبعث برسولي ليمهد السبيل أمامي : هي إذا ً نبوءة بإرسال رسول من الله ليمهد صراط الله وهذا الرسول لم يكن قد بعث قبل فترة المسيح بدليل استشهاد كتبة الأناجيل بهذا النص ومحاولة تطبيقه على عيسى ويحيى ولكنهما كانا متزامنين بالتوقيت ، وقد قام يحيى بتعميد المسيح في نهر الأردن وكلاهما كانا يمهدان صراط الله ويقولان للناس نفس الدعوة تماماً ( توبوا فقد اقترب ملكوت الله ) ! فإذا سلمنا أن يحيى كان يبشر بالمسيح وباقتراب الملكوت فلماذا كان المسيح يبشر معه بنفس الدعوة تماماً كما شرحت سابقاً ..؟!! ثم إنه لا يوجد نص واضح ثابت عن يحيى يبشر فيه بالمسيح كأن يقول مثلاً : توبوا فهذا هو المسيح بينكم جاء فداء لكم و ليحمل خطاياكم !!! وعندها يصبح معنى التوبة التي نادى بها كلاهما هنا مجرد عبث وهراء ..!!! ما زلنا نريد عاقلاً يجيبنا.

والرسول الممهد هنا في ملاخي تحتمل معنى يحيى أو عيسى ولكن يحيى ليس معه كتاب منزل من الله ، فهو نبي بينما عيسى لديه الإنجيل المنزل فهو رسول وكان يدعو إلى الإيمان بالإنجيل حسب مرقس 1 / 15: ( اكتمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ) إذاً أولاً هو إنجيل وليس أناجيل يبلغ عددها بالمئات من بينها القانونية الأربعة ( التي أقرتها المجمعات الكنسية بموجب قانون وضعي بشري وأهملت البقية التي أسمتها غير القانونية) ..!!! وثانياً هو إنجيل موجود زمن عيسى ومعه ولم يُصنع ويُكتب بعد اختفائه كما صاغوه على هواهم وهذا الكلام ليس من اختراعنا لأن لوقا يعترف بهذا في إنجيله صراحة وبكل وضوح  قائلاً : (!!( لما كان كثيرون قد أقدموا على تدوين قصة في الأحداث التي تمت بيننا كما سلمها لنا  أولئك الذين كانوا في البداية شهود عيان ثم صاروا خداماً للكلمة رأيت أنا أيضاً بعد أن تفحصت كل شيء من أول الأمر تفحصاً دقيقاً أن أكتبها إليك مرتبة يا صاحب السمو ثاوفيليس لتتأكد لك صحة الكلام الذي تلقيته ) !! وثالثاً : ولأنهم ظنوا أن نهاية العالم اقتربت نظراً لاكتمال الزمان كما قال المسيح فقد سادت بعد المسيح ثقافة الانكفاء على الوجه واعتزال الحياة والرهبانية  وكتبت نصوص وفسرت أخرى على أن القيامة وشيكة وأن المسيح سيركب السحاب ويأتي ..! ولم يحدث شيء لا في زمن المسيح ولا بعد اختفائه !! وهذا دليل قاطع على أنَّ الفهم عن المسيح كان فهماً مغلوطاً تماماً ، فهو كان يبشر بآخر مختلف عنه تماماً في قوته وسلطته الحربية وقدرته على الكفار وصفاته التي أورد ملاخي منها صفة مميزة لا تخص المسيح بل تخص محمداً حصراً وهي الفجاءة التي يأتي بها إلى الهيكل- المعبد في ( المسجد الأقصى ) فلا يوجد عاقل يقول أن المسيح عيسى من أخص صفاته أنه يجيء إلى الهيكل فجأة بل هو كان فيه طوال حياته يناظر اليهود ويفحمهم في الهيكل وكلمة ) בתאח(   أي  ( فجأة ) في العبرية تدل على المباغتة مع قصر الزمن المقطوع للوصول ، وليس الفجأة .. فقط  ، ومعنى الفجأة هذه بالضبط يوجد في سفر يوشع 10 / 9  : ( فباغتهم يوشع ) ،  أما المسيح فقد جاء إلى الهيكل مرة راكباً على حمارة ،  ومرة راكباً على جحش ا بن حمارة كما فصل متى 21 / 7 فسرعته تكون بطيئة لأنها سرعة الدابة المتواضعة .. إذاً الخصوصية التي تحملها كلمة فجأة هنا تذهب لمحمد في رحلة الإسرء والمعراج التي أتى بها بالفعل فجأه إلى الهيكل  راكباً (البراق) المسمى به حائط بيت المقدس إلى الآن ولذلك تجرأت بعض النسخ المترجمة عن اليونانية  كما سترون بأنفسكم وحذفت القدوم الفجائي نهائياً من النبوءة لأن ( القدوم الفجائي ) يؤكد بأن النبوءة ليست للمسيح مطلقاً !!!!!!!! وهذا هو إنجيل مرقس النسخة اليونانية

جدول 2

 وقد خصصت النبوءة أكثر فمحمد جاء  بصفته التي تخصه وحده دوناً عن كل الأنبياء ( رسول الميثاق )، ذلك الميثاق الذي أخذه الله على كافة الأنبياء الذين التقى بهم محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة وهذا أكثر من واضح في النبوءة التي تعينه بلقبه (رسول الميثاق ) فكلمة ميثاق التي وردت في سفر ملاخي العبري هي (  בךית  )  وهي مختلفة تماماً عن كلمة العهد التي ترجمت إليها خطأ أو عمداً ..!! وصفة ( رسول الميثاق ) وردت في إنجيل برنبا ( ظل معتمداً معمولاً به قرناً كاملاً قبل أن يحظر) ففي برنبا 44 / 27  قال المسيح:    (صدقوني إني عرفته وقدمت له الاحترام كما عرفه كل نبي لأن الله يعطي روحه نبوة)  : وكذلك في القرآن الكريم  كلمة الميثاق تخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره من كل الرسل : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (81/آل عمران) ولا يعرف أبداً أن تلاميذ المسيح وصفوه بأنه رسول الميثاق لا هم ولا غيرهم ..!!  (هكذا قال رب الجموع) ذلك هو التوقيع الإلهي لإله إسرائيل ( ي . ه . و . ه ).

 يقول غاري ميلر Gary miller في كتابه” القرآن المدهش. ” (=The  Amazing Quran )       : بعث المعمدان في نفس زمن بعثة المسيح عليه السلام. وقد بعث المعمدان داعيا إلى التوبة لمغفرة الخطايا. فهل غفل الإله الآب عن كونه قد بعث نبيا من أنبيائه داعيا إلى الخلاص عن طريق الكفّ عن مقارفة الآثام في نفس الوقت الذي” رمى” فيه ابنه على الأرض ليخلّص البشر عن طريق الإيمان بصلبه الكفّاري دون توبة عن الآثام!!

بعثتان متصادمتان متضادتان من إله واحد.. سبحانك هذا بهتان عظيم .

 ما هو مفهوم التعميد بالماء وبالروح القدس وبالنار التي وردت في الإنجيل؟

 لنعد قليلاً إلى قول يوحنا عن النبي الذي سيأتي فيما بعد في أفق الأيام القادمة في إنجيل متى 3 / 11 : ( أنا أعمدكم بالماء لأجل التوبة ولكن الآتي بعدي هو أقدر مني وأنا لا أستحق أن أحمل حذاءه ، هو سيعمدكم بالروح القدس وبالنار فهو يحمل المذرى بيده وسينقي بيدره تماماً فيجمع قمحه إلى المخزن أما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ  ) !

بيَّنا أن عيسى ويحيى عليهما السلام كانا ابني خالة متعاصريَن ، بل إن كليهما في نفس عمر الآخر  (فالآتي بعدي) ليس عيسى كما قال الأسقف المهتدي عبد الأحد داود رحمه الله تعالى ، فيوحنا يبشر ويعلم وله تلاميذه وعيسى يعلم ويبشر وله تلاميذه في نفس العصر والزمن وربما الساعة واللحظة ..!! يبشران بنفس الدعوة ونفس التعاليم، دون أن يكترث أحدهما لوجود الآخر (ابن خالته ) .

كما لم يحقق المسيح قول المعمدان عن النبي الآتي: ( رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ ) وهذه كناية يفسرها الدكتور وليم أدي بقوله: ( كناية عن نهاية العمل كله، ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه: الإشارة إلى تأديب الله للناس، وقصاصه لهم في هذه الحياة). بل هو كناية أبعد من ذلك، إذ تُبيِّنُ سلطانَه الذي ينقي الأصل الذي أنـزله الله على أنبيائه مما علق فيه، فيحذف الترهات الدخيلة ويحرقها ، وعليه فالآتي المبشَّر به هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو فقط الذي أتى إلى أرض القدس والهيكل بغتة يوم أسري به إلى بيت المقدس، بينما نشأ المسيح ويوحنا في ربوع الهيكل وهو النبي الذي سمَّته بعض الترجمات برسول الختان؛ إذ كان قد دعا إليه ونبَّه إلى أنه من سنن الهدى، والتزمه المسلمون بعده. 

ثم هل فعلا جمع المسيح قمحه وحرق تبنه ..؟؟ كلا هذا لم يحدث أبداً وهذا ما قاله المسيح نفسه معترفا بالإخفاق المرير !! وذلك عندما خرج المسيح من أورشليم آخر خروج في حياته نظر إليها متحسراً قائلاً : ( يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها ولم تريدوا ) !! متى 23/ 37 .وهاهو يوحنا يضع صفات خطيرة جديدة للنبي المنتظر للآتي بعده ، قال يوحنا : فسيعمدكم بِالروحِ الْقُدس !!

إذا كان التعميد في مجمل معناه يعني التطهير فالتعميد  (بالروح القدس) هو شهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ومعلوم لدى المتخصصين أن (الروح القدس) تحمل أكثر من معنى في الكتاب المقدس ، ومعلوم أيضاً أن (شهادة الإسلام) في معناها العقدي شهادة مُقدَّسَة فهي مطهِرة لأنها تنقل الإنسان من رجس الكفر إلى قدسية التوحيد كما ينقل التعميد ( الاغتسال بالماء ) من النجاسة المادية إلى الطهر الجسدي ..!! وأما التعميد بالنار فهو التطهير بالنار والتفتوا جيداً إلى هذا المفهوم الذي سيعجب المتخصصين لا ريب : بعد التطهير بالماء والتطهير بنطق شهادة الوحدانية ، يأتي مفهوم التطهير بالنار وهذا يحتاجه العُصاة من المؤمنين بالله , وليست هي نار الحرب واستئصال الكفَّار المحاربين كما فهمها البعض ( لأن نار الحرب لا يشملها مفهوم التعميد تطهيراً بالنار ) وحتى بهذا المعنى فإن المسيح لمْ يحاربْ أحداً ولم يمسكْ سيْفاً ، و ليس له علاقة بمفهوم التطهير بالنار أبداً ، وحتى قتله المزعوم على الصليب كان دموياً مائياً كما يزعمون ولاسيما بعد أن طعنه الجندي في خاصرته الطعنة الأخيرة وهذا المعنى موجود في عقيدة (الماء والدم) في المسيحية   ) !!

ولكن التفتوا إلى الكلمتين معاً التطهير بالنار تمهيداً لدخول جنة الأبد المقدسة التي كتب الله تعالى أن لا يدخلها لا كافر ولا عاصي ، والآن فالكافر ّإذا تعمد بالماء ( الاغتسال عند نطق الشهادة ) طهر جسده تمهيداً لاستقبال الإيمان الذي هو الطهارة من رجس الكفر، هذه الطهارة التي لا تتم إلا بشهادة (لا إله إلا الله ) ، ولكنه إذا كان عبداً عاصياً مقترفاً لبعض المحرمات المنهي عنها وقد حمل الكثير من نجس المعاصي فهو بهذا الكيان المدنس لا يستحق دخول الجنة فوراً بل يُعمَّد بالنار أي يُطهَّر أولاً بالنار الأخروية ، ثم يخرج منها طاهراً غير مدنس مستحقاً دخول الجنة المقدسة الأبدية !! لذلك قال يوحنا المعمدان الآتي بعدي سيعمد بالنار ، ولهذا فالذي يقتل من الكفار بالحروب ( بنار ) الدنيا فهذا لا يطهره على الإطلاق ولا يخوله دخول الجنة ، بل على العكس هو خالد مخلد في النار إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين ، بل كما قال النبي يحيى  (يوحنا) عنه هو مجرد تبن ( وسخ القمح ) و سيحترق بنار لا تنطفئ  !! فيا أيها المخلوقون العقلاء من كل المشارب ابحثوا وتفكروا كي تتجنبوا النار ولا تخسروا في الدنيا والآخرة وسارعوا فالأيام قليلة والخطب جلل  ..!!  وهذا ما قاله النبي الجليل الجميل عيسى عليه السلام : (ستبحثون عن الحق والحق يحرركم ) يوحنا 8/32 ولم يقل أبداً أنا بفدائكم أحرركم فويل للذين افتروا عليه من مشهد يوم عظيم  ..!!

 المستحمون في الصباح (هيميروبابتست) :

 Hemerobaptist«المستحمون في الصباح» المستحمون في الصباح فرقة يهودية أسينية كان طقس الاغتسال بالنسبة إليها أهم الشعائر. ولذا، فقد كان هذا الطقس يُمارَس بينهم كل يوم قبل كل صلاة ، وليس مرة واحدة في حياة الإنسان  (كما ابتدع بولس ). كما أنهم كانوا يتطهرون قبل النطق باسم الإله. ويبدو أن يوحنا المعمدان كان واحداً منهم. وقد ظلت بقايا من هذه الفرقة حتى القرن الثالث الميلادي.ولذلك يحق للباحثين انطلاقاً من هذا المفهوم أن يُلحقوا المسيح نفسه ( قبل تحريف المسيحية ) بهذه الطائفة المغتسلة ، لأنه من الثابت أن المسيح تعمَّد على يد يوحنا وفق هذه الطقوس تماماً ..!! فهؤلاء الباحثون يوضحون الأمر على أن إنساناً يعمد إنساناً : وقد عمَّده يوحنا المعمدان – عليه السلام – في نهر الأردن ” جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليتعمد منه” (متى 3/ 13)، فهل جهل المعمدان أنه يعمِّدُ الإله ولا سيما بعد نزول روح الله على كتف المسيح ونداء السماء له بعد تعميده ؟!  ومن المعلوم أنَّ معمودية المعمدان هي لغفران الخطيئات ، كما في متى: ” وكانوا يعتمدون على يده  في نهر الأردن معترفين بخطاياهم .. قال لهم يوحنا أنا أعمدكم بالماء لأجل التوبة  (متى 3/ 6 و11)، وهل كان ابن الإله مذنباً يبحث عمن يغفر له ذنوبه فتعمَّدَ أولاً ليتطهر؟! ولكن بالفعل تعمد المسيح وتطهر بماء نهر الأردن وأصاب المسيح – عليه السلام – ما يصيب كل البشر !! ويضيفون بأن إدعاء مخاطبة الله للمسيح بعد تعمده مباشرة الذي ورد في بعض الأناجيل هذا الإدعاء ينفي مفهوم ابن الإله نهائياً الذي من المفروض أن يكون مقدساً أصلاً وطبعاً وكاملاً كي يخلص البشرية الخاطئة لا أن يتطهر أولاً بالتعميد ليصبح مقبولاً و جالباً السرور لأبيه !! إن هذا الحادث بالذات ليس إلا مزيداً من التأكيد بأن المسيح مجرد طبيعة بشرية يعتريها ما يعتري البشر من أحداث لأنه طبيعة بشرية حادثة وليست طبيعة إلهية قديمة !!! فهو كينونة مخلوقة كانت في (بطن) أنثى و ولدت من (رحم) امرأة وهذه الكينونة تأكل وتشرب (الخمر) وتغضب وتزجر أمها وأخواتها وتلعن شجرة التين ، وتحتاج أن تتطهر بالاغتسال ، وتحزن حتى الكآبة  وتجزع، وتعاتب ربها ، وهي تصرخ رعباً وألماً يا إلهي لماذا تخليت عني .!! ولا أظن أن هناك ما هو أوضح من ذلك فاللهم لا تعمي بصيرتنا ..!!!

 هل حقاً قتل النبي يحيى بقطع الرأس ..وما الدليل ..؟!

تعددت جداً الروايات التي  نُسجتْ حول مقتل النبي يحيى عليه السلام فبعضها ذهبت إلى أن الملك هيرودس أراد أن يتزوج من ابنة أخيه سالومي ( زواج محارم ) فأنكر النبي يحيى عليه ذلك..! وبعضها قال إن سالومي نفسها وهي غانية عشيقة للملك هي  التي أمرت بقطع رأس يوحنا لأنه كان يشن حرباً شعواء على الزناة وعليها خاصة ..!! ومنهم من قال بأن زوجة الملك الشرعية أرادت النبي يحيى وراودته عن نفسه كما حصل مع يوسف عليه السلام فاستعصم وأهانها إهانة عظيمة فحقدت عليه وكادت له ..!! وبعض القصص يقول أنْ لا علاقة للنساء بقتل يوحنا  فاليهود قتلوا نبيهم يوحنا لأنه كان يؤنب الفريسين والصدوقيين من اليهود  و يهددهم بأن الله سينتزع ملكه منهم (ويعطيه لأمة أمية كما ورد في التوراة ) وينعتهم بأولاد الأفاعي ويزجرهم ويغيظهم بالتشنيع على (ماديتهم) القاتلة ..!! وهذا المعنى ورد في إنجيل متى 3 / 7 – 10 : قال يوحنا لليهود :  (يا أولاد الأفاعي  من أنذركم لتهربوا من الغضب الآتي ؟! فأثمروا ثمراً يليق بالتوبة ، ولا تعللوا أنفسكم قائلين ، لنا إبراهيم أباً فإني أقول لكم إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم ، وها إن الفأس قد ألقيت على رأس الشجر فكل شجرة لا تثمر ثمراً تقطع وتطرح في النار ) !!ّ 

أما في إنجيل متى 14 / 3 – 12  وردت قصة مقتل يوحنا المعمدان على الشكل التالي : (إن هيرودس كان قد ألقى القبض على يوحنا وكبَّله بالقيود ، وأودعه السجن من أجل هيروديا زوجة فيليبس أخيه ، لأن يوحنا كان يقول له : < ليس حلالاً لك أن تتزوج بزوجة أخيك > ولما كان هيرودس يريد أنْ يقتلَ يوحنا خاف من الشعب لأنهم كانوا يعتبرون يوحنا نبياً ، وفي أثناء الاحتفال بذكرى ميلاد هيرودس ، رقصت ابنة هيروديا في الوسط ، فسرت هيرودس ، فأقسم لها واعداً بأن يعطيها أي شيء تطلبه . فبعد استشارة أمها قالت : < أعطني هنا على طبق رأس يوحنا المعمدان > فحزن الملك ..! ولكنه أمر بأن تعطى ما تريد من أجل ما أقسم به أمام المتكئين معه ، وأرسل إلى السجن فقطع رأس يوحنا ، وجيء بالرأس على طبق وقدم للصبية فحملته إلى أمها وجاء تلاميذ يوحنا فرفعوا جثمانه ودفنوه ثم ذهبوا وأخبروا يسوع ) . رواية متى هذه واحدة من الروايات المتعددة المختلفة  التي قيلت حول مقتل النبي يحيى والتي لا تؤيدها سجلات التاريخ فلا يوجد أية أسانيد تاريخية لها حسب قول المؤرخين المعتمدين في هذا الشأن ولاسيما المؤرخ يوسيفوس ، أضف إلى ذلك أن الرواية غير منطقية بسبب تناقض الأزمنة كما سيرد ، وبسبب الإسقاطات المسيحية عليها فيما بعد الحدث !! وذلك لأن اليهودية ما كانت ترفض زواج الأخ من امرأة أخيه إذا كان متوفى أو كانت مطلقة منه بل على العكس تؤيد ذلك والملك كان يهودياً ويوحنا كان نبياً لليهود إذاً لم يخالف الملك الشرع اليهودي فلماذا ينكر يوحنا عليه إذاً ؟!!  .. ويزعم المؤرخ يوسيفوس فلافيوس أن مقتل يوحنا المعمدان كان لأسباب سياسية حيث أن عدد أتباعه وتلاميذه كان كبيراً، فكان خوف الحاكم من قيام يوحنا بتزعم حركة (مسيانية) أي البحث عن المسيا المنتظر هو الدافع للتخلص منه.

ومما يدل على عدم واقعية رواية الأناجيل هو أنَّ مقتلَ يوحنا المعمدان كان فى عام (28م) كما تجمع تفاسير الأناجيل ومنها التفسير الحديث لإنجيل لوقا ، أو عام (29م) كما تشير دائرة المعارف اليهودية في حين أن زواج هيرودس انتيباس من هيروديا كان فى عام (31م) حسب وليم باركلي في تفسيره لإنجيل لوقا أي أن القبض على يوحنا وسجنه وقتله قد تم قبل الزواج وليس بعده أو بسببه كما تخبرنا الأناجيل. إن ما تذكره الأناجيل عن يوحنا المعمدان يخالف ما يؤكده المؤرخ يوسيفوس، كما أن الاناجيل أخطأت أيضا فى اسم زوج هيروديا ووالد سالومي حيث ذكرت أنه كان يدعي (فيليبس). انظر مرقس (6: 17)، لوقا (3: 19)، متى (14: 30) ويذكر ( Schalit)  شاليت في كتابه المطبوع في برلين :  (Koenig Herodes der Mann and Sein Wor)  الخمسة عشر اسما لأبناء وبنات الملك هيرودس الكبير من زوجاته العشرة وليس بينهم من يسمي (فيليبس)!!

بل يوجد ابن واحد فقط يسمى (هيرودس فيليبس) وكانت أمه هي كليوباترا (أورشليم)، وهذا كان زوجاً لسالومي وليس والدها، وقد عُيِّنَ (رئيس رُبْع) على ايطورية وتراخونيتس بعد وفاة أبيه الملك هيرودس عام (4ق. م)، وقد توفي هيرودس فيليبس عام (34م)

وقد اعترف ليون موريس في تفسيره لإنجيل لوقا بهذا الخطأ ، وكذلك وليم باركلي ، وأيضاً تفسير الرهبان اليسوعيين، حيث ذكروا أن زوج هيروديا ووالد سالومي كان يدعي (هيرودس) فقط كما ذكر المؤرخون كلهم وعلى هذا تكون رواية الإنجيل في قتل النبي يحيى غير صحيحة لأنها ببساطة خالفت الواقع التاريخي المثبت ..!!  و كذلك بقية الروايات التاريخية التي تحدثت عن قتل النبي يحيى لا قيمة لها من الناحية التاريخية إذ لا توجد لها أدلة تاريخية معتبرة تدعمها..!!

 كيف كانت حياة النبي يحيى عليه السلام في القرآن وكيف انتهت :

( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) مريم 12 _ 15

أول موقف ليحيى هو موقف انتدابه ليحمل الأمانة الكبرى. «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ» .. والكتاب هو التوراة كتاب بني إسرائيل كان أنبياؤهم يعلمون به ويحكمون. وقد ورث يحيى أباه زكريا، ونودي ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم، وقد أوتي الحكم أي العلم والفهم للتوراة مع الطاعة والعبادة، في سِنٍّ مبكرة؛ لأن المسألة عطاء من الله لا يخضع للأسباب، فجاء يحيى عليه السلام مُبكِّر النضج والذكاء، يفوق أقرانه، ويسبق زمانه، وقد أُثِر عنه وهو صغير أنْ دعاه أقرانه للعب فقال لهم: «ما للعب خُلِقْنا» .. فكان فذا في زاده، كما كان فذا في اسمه وفي ميلاده. فالحكمة تأتي متأخرة. ولكن يحيى قد زود بها صبيا.وآتاه الحنان هبة لدنية لا يتكلفه ولا يتعلمه إنما هو مطبوع عليه ومطبوع به. وآتاه الطهارة والعفة ونظافة القلب والطبع يواجه بها أدران القلوب ودنس النفوس، فيطهرها ويزكيها.«وَكانَ تَقِيًّا» موصولا بالله، متحرجا معه، مراقبا له، يخشاه ويستشعر رقابته عليه في سره ونجواه. وكان باراً بوالديه حانياً عليهما. و طائعاً متواضعاً.

إن القرآن الكريم ينفي أن يكون النبي يحيى قد قُتل بأي طريقة كانت ولأي سبب كان وذلك لأن الله أعلن السلام عليه يوم موته : وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

ومن سلَّمَ الله الرحمن الرحيم عليه سَلِمَ من أذى البشر قطعاً ، ولن يؤذيه أحد كائناً من كان ولن تنتهي حياته بالقتل حتماً ..!!  هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن كلمة (الموت) في القرآن الكريم مختلفة تماماً  في دلالتها عن كلمة (القتل) ولذلك لا يمكن استخدام أحدهما مكان الأخرى والدليل من القرآن نفسه :  حيث يقول الله تعالى : (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ) آل عمران 158 وقال تعالى عن سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم : (أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) 144/آل عمران وهذان دليلان دامغان على أن القتل مختلف في معناه عن الموت ، فيحيى عليه السلام مات بسلام بانتهاء الأجل كما ورد في القرآن الكريم : (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ ) والقول بأنه قتل هذا فهم خاطئ للقرآن ناهيك عن أنه جهل بالغ باللغة وردٌّ لكلام الله الذي مفاده أنه سبحانه وتعالى أفاض على يحيى سلاماً يوم موته ..!!والدليل الثالث هو أن يحيى عليه السلام لو قتل لكان شهيداً والشهداء أحياء عند ربهم ولكن الله تعالى قال عن يحيى أنه يوم القيامة سيبعث حياً وهذا يدل على أنه  كان ميتاً ثم سيبعث حياً من جديد ولم يكن شهيداً لأن الشهيد حيٌّ في كل الأحوال والدليل الرابع هو أن الله تعالى استجاب لزكريا عليه السلام عندما طلب منه ابناً يرثه ويرث من آل يعقوب ، ولا يتصور أن إسباغ صفة الوارث عليه تعني قتله..!! بل أبعد من ذلك فإن كتب الصابئة المندائية ( مسيحيو يوحنا المعمدان ) تقول أن يحيى تزوج وأعقب  أولاداً وتذكر أسماءهم وتحصيهم وهذا إن حصل على وجه الحقيقة يؤكد أن الرجل الحصور ليس هو (العنين) ، بل هو الطاهرالعفيف جبلة ، وإذا تزوج أدى وظيفة الاستخلاف ولا يوجد لدى المسلمين ما ينفي أو يؤكد فالله تعالى أعلم ..!!    كل ما سبق  يدل بالفعل على أن القرآن كتاب من لدن الله الذي يعلم سر الخلائق ، وأنه كتاب مهيمن على كل الكتب المقدسة فلا يوجد كتاب قدم الحقيقة كاملة غير منقوصة ومنطقية غير متناقضة كما في القرآن الكريم وصدق الله تعالى القائل : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء 82

مقام النبي يحيى في الجامع الأموي في دمشق

 معلوم أن الجامع الأموي في دمشق شيده الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك فوق كنيسة اسمها يوحنا المعمدان، التى كانت مبنية داخل معبد رومانى، وعوض النصارى عن تلك الكنيسة تعويضًا سخيًّا. واستغرق بناء المسجد أكثر من تسع سنوات، من سنة (86 هـ) ، ويوجد في داخل الجامع مقام النبي يحيى ولقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق أنهم رأوا عند عمارة المسجد مغارة، فخبروا بها الوليد، فنزل إليها والشموع بين يديه فوجد كنيسة صغيرة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، فيها صندوق فيه سفط (قفّة) فيه رأس، سليم الجلدة والشعر، مكتوب عليه أنه رأس يحيى ، فأمر بتركه على حاله، وجعل للعمود القائم على المغارة علامة تميّزه، وبقي كذلك فترة ثم وُضع فوقه تابوت عليه اسم يحيى، رآه ووصفه ابن جبير في أواخر القرن السادس الهجري، وبقي ذلك إلى تاريخ رحلة ابن بطوطة، ثم أقيمت هذه القبة لاحقاً ..ولم يتخذ الوليد عليه قبراً، لأنه لم يثبت عنده أن الرأس ليحيى، ولأن إقامة القبور في المساجد أو بناء المساجد عليها ممنوع في الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم حذّر منه ولعن فاعله، وكان ذلك من آخر ما نطق به صلى الله عليه وسلم قبل وفاته

وعلى فرض صحة الخبر الذي رواه ابن عساكر، فإنه لا يثبت إلا أنهم وجدوا رأساً عليه اسم يحيى لا يُعرف من كتبه ولا تاريخ كتابته، وليس لدينا أي دليل صريح على أن هذا القبر هو ليحيى  ولا سيما أنه هناك كثير من القديسين النصارى الذين عذبوا وقطعت رؤوسهم إبان الحكم الروماني الوثني في سوريا ، ومن المعلوم أن الجامع الأموي مرَّ بثلاث مراحل تلريخية دينية فقد كان معبداً وثنياً ، ثم كنيسة للنصارى ( وما زال جرن التعميد موجوداً في داخل المسجد بجانب المقام ثم أصبح مسجداً للمسلمين وقد تلقى النصارى من الدولة الأموية مبلغاً سخياً لقاء تخليهم عن الكنيسة ..!! ويحب التنبيه إلى أن الرؤوس المقطوعة أو أجزاء من رؤوس مقطوعة التي في طريقها للعطب بشكل مقزز وهي مؤطرة بالذهب ومرصعة بالجواهر وهي كثيرة ، و التي تعرض في بعض كنائس أوربا على أنها رأس يوحنا لم يثبت أبداً أنها للنبي يحيى بل هي وجوه لبعض القديسين المحنطين في العصور الوسطى وقد راج ذلك التقليد ( قطع رأس القديس والتبرك به ) كثيراً في ذلك العصر ، أضف إلى ذلك فقد  قضى الله أن الأنبياء لا تأكل أجسادهم الأرض ولا تنتهك حرماتهم ولا تعرض أجسادهم الشريفة بعد دفنهم ولا تترك تتقاذفها يد البشر فهم أكرم من ذلك عند الله بكثير وفي ذلك نصوص صحيحة ..!! أضف إلى ذلك أنه عندما درس علماء البيوغرافيا هذه الرؤوس المقطوعة وجدوا أن أعمارها لا تناسب الفترة الزمنية التي ظهر بها يوحنا المعمدان أو أنها نفسها ذات أعمار متقدمة جداً ولا تناسب العمر التي مات فيه النبي يحيى وأسباب علمية كثيرة أخرى تتعلق بشكل الأعراق البشرية التي سكنت في منطقة جغرافية ما ..!!

حقيقة اسم النبي (يحيى) ولماذا أصبح (يوحنا)

سندرس الأمر من الوجهة الدينية ومن الوجهة اللغوية البحتة لنبرهن على أن اسم يوحنا واسم يحيى اسمان مختلفان أي لا يحملان نفس المعنى ثم لنؤكد أن اسم يحيى ليس معرباً عن اسم يوحنا وليس مصحفاً عنه والأمر شيق يستحق الدراسة ..!!

قال الله تعالى: { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيَّا} (مريم: 7)

 يزعم البعض بأن اسم يحيى ( الوارد في القرآن ) هو نفسه اسم يوحنا (الوارد عند أهل الكتاب ) وأن العرب عرَّبوا اسم يوحنا فأصبح يحيى .!   وهذا غير صحيح البتة  فاسم يحيى عربي جذره ح ي ي من الحياة أو ح ي ا من الحياء ، واسم (يو- حنا) عبري قديم جذر (حنا) ح ن ن  من الحنان وتصلح اللغتان العبرية والعربية للمقارنة مع بعضهما البعض لأنهما تملكان نفس الجذور اللغوية الخاصة باللغة السامية !!  وكذلك فإن يوحنا اسم شهير عند اليهود سُمِّيَ به كثيرون قبْل ابن زكريا؛ فكيف يقول القرآن: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيَّا} (مريم: 7) ؟ ؟ !! وكيف يقول الكتاب المقدس ( العهد الجديد ) أيضاً حسيب لوقا أن اسمه ( يوحنا )  لم يتسم به أحد من عشيرة الأم إذاً ليس اسمه يوحنا أبداً لأن هذا الاسم مشهور جداً في عشيرة الأم ومثبت بالسجلات التاريخية ولأسماء متدينين وأحبار من عشيرتها اسمهم ( يوحنا ) ، ولهذا نقبل كما ذكر الإنجيل أن هذا النبي (يحيى) ليس له سميا !! ولكن لا نقبل أن اسمه يوحنا !!  

اسم يوحنا الذي يترجمونه ( ترجمة غير دقيقة ) إلى العبرية يوحنان تسمى به الكثير من رجال بني إسرائيل وخاصة الكهنة الذين من عشيرة زكريا فهذا يقطع بأن النص الإنجيلي الأصلي يتحدث عن اسم آخر غير يوحنا ..!! وقوله تعالى في القرآن (لم نجعل له من قبل سميا) قول محقق فاسم يحيى لا يوجد في كل أسفار الكتاب المقدس  .! إذاً دعونا نرى :

ماذا تقول الأناجيل اليونانية ؟

يوحنا المعمدان (بالعبرية: יוחנן המטביל ) ، يوحنان ، إن أصل الاسم المدون في الأناجيل اليونانية مكتوب بصيغتين هما : ( يوحَنِّى ) بفتح الحاء وتكرار الحرف اليوناني في المنتصف (v ) : يوحننا

و ( يوحِنِى ) بكسر الحاء وعدم تكرار الحرف اليوناني : 

يوحنا
والنون مكسورة في الحالتين !! أما في الترجمة العربية فالنون مفتوحة ومشددة في كل الأحوال !! والمقطع الأول من اسم يوحنا (يو) في الكلمتين يشير إلى اختصار ( يهوه ) أي الله في العبرية وكلمة حنى الأولى جذرها الغوي العبري ح ن ن من الحنان وليست ترجمتها حنَّ الله أوتحنن الله لأنها اسم لعبد وليست فعل لله فالكلمة الأولى تعني( حنان من الله ) وهذه ليست اسم علم بل  صفة النبي يحيى الأولى كما ذكر القرآن  ( وحناناً من لدنا ) مريم الآية 13 ، أما الصيغة الثانية فهي مأخوذة من الجذر اللغوي العبري ح ن ا وهنا أنقل لكم كلام الأستاذ رؤوف أبو سعدة في كتابه من إعجاز القرآن : ( في عبرية التوراة وفي العبرية المعاصرة وفي الآرامية أيضاً نجد أن الجذر ح نَ ا  فيه النون غير مشددة ففي الجملة العبرية أو الآرامية ( ( حَنَا عَلْ عيْر ) أي ضرب حصاراً على المدينة فهي تماماً بمعنى حصره وضبطه وعلى هذا تكون كلمة يو حنِى صفة أيضاً معناها : (حصور من الله) أي العفة اللدنية الممنوحة من الله له وهذه صفة النبي يحيى الثانية في القرآن الكريم ( وحصوراً ) ..!!! .ومستأنساً بالقاموس العبري – الكلداني المشهور يشرح الباحث الأستاذ جمال الدين الشرقاوي الفارق بين المنطوق العربي والتشكيل العبري ( يو حا نا ) فحرف الحاء مفتوح فتحة طويلة تستوجب ظهور الألف بعد الحاء حتماً ( يو حا نا و) وتجب قراءته  (يوحا نا)  ولا يمكن قراءة الاسم  (يوحنان ) كما زعموا ..!! والجدير بالذكر أن يوحانا العبرية هو نفسه يوحنِي اليونانية وهي الحصور القرآنية .!! وكلها تعني مجتمعة الذي أتاه الله الحنان اللدني وجعله حصوراً ( عفيفاً ) ، ولا بد من الإشارة إلى أن النبي يحيى عليه السلام كان رجلاً مكتمل الرجولة وكونه حصوراً يَعِفُّ عن النساء ليس لنقص فيه فهذا لا يليق بالأنبياء الكرام وهم صفوة البشر، بل هي عفة معنوية خصه الله تعالى بها ولذلك وصفه القرآن بالسيد قبل أن يصفه بالحصور : فقال : ( سيداً وحصوراً ) أي الرجل الذي يستطيع أن يكف نفسه عن شهوة النساء مع وجود القدرة على إتيان مقتضى ذلك .  

إذاً ليس صحيحاً أنّ لفظ يحيى في القرآن هو تعريب لفظ يوحنا هذا من جهة و اسم يحيى ينطق بالعبرية (يحييه ) أما يوحنا فينطق بالعبرية ( يوحانا ) وهو ليس يو حنان كما سنشرح لغوياً ويحيى من الحياة ويوحنا من الحنان فهما مختلفان كلياً ، وسترون بالأدلة أن اسمه يحيى ولقبه الحصور ذو الحنان كما في القرآن ، أما في الإنجيل فاسمه يوحنا ولقبه المغسلاني ..!!  وفي الأناجيل نفسها نجد أن النبي يحيى يوصف بأوصاف أجل وأجمل من صفة المُغسِّل ..! فهو عظيم أمام الله لم تلد النساء أعظم منه لا يشرب خمراً بينما المسيح يشرب ..!!! واسم  (يحيى بالعربية )الذي هو ( يحييه بالعبرية ) له ثلاث جذور لغوية ( ح ي ي)  من الحياة إذاً هو الذي يحيا ، و( ح ي ا ) من الحياء فهو الذي يستحي وهذه تناسب صفة الحصور ، و ( ح ي و ) ومنها الحية بمعنى الانزواء وتذكر الأناجيل أن النبي يحيى عليه السلام اعتزل الناس وسكن البرية وأكل الجراد والعسل البري ، ثيابه من وبر الجمل ويلف وسطه بحزام .!  ونعود لنؤكد أن اسم يوحنا مذكور في أسفار العهد القديم تحت مسمى يوحانا ، ويوحنان ، ويهوحانان  ، وهناك أدلة كثيرة منها ما ورد في سفر  نحميا : ( 12 / 22 – 23 )  : ( وقد تم تدوين أسماء رؤساء العشائر من كهنة ولاويين ، في سجل الأنساب في حكم داريوس الفارسي في أيام ألياشيب ويو يداع ويوحانان ويدوع ، وكانت أٍسماء رؤساء عشائر اللاويين مسجلة في سفر أخبار الأيام حتى زمان يوحانان ابن ألياشيب ) ! 

إذاً اسم يوحنا الذي يترجمونه في العبرية إلى يوحنان تسمى به الكثير من رجال بني إسرائيل وكذلك الكهنة من عشيرة زكريا وزوجته ..!! ولهذا نقطع بأن النص الإنجيلي الأصلي الذي لم تعبث به أيدي المدونين والمترجمين كان يتكلم عن اسم آخر غير يوحنا ( يوحانان ) ، كان يتحدث عن اسم يحيى الذي لم يتسم به أحد أبداً قبله ..!! وهكذا نستنتج أن اسم النبي هو يحيى وأن صفته الأولى ذو الحنان ، والثانية العفيف ،وأن لقبه هو المغسلاني (  المعمدان )، وأن أهل الكتاب أغفلوا الاسم وغلَّبوا الصفة واللقب !!

 ما هي علاقة طائفة }المستحمون في الصباح (هيميروبابتست) { بطائفة الصابئة (المندائية ) وماعلاقة النبي يوحنا بالصابئة ( الفرقة المندائية ) :

 تقول دائرة المعارف الإسلامية: أن اسم الصابئة مشتق من الأصل العبري “ص. ب. ع” أي غطس، ثم أسقطت العين وهو يدل بلا ريب على المنديا، أو الصبوء وهي فرقة يهودية نصرانية ( الفرقة المندائية) تمارس شعيرة التعميد في العراق “نصارى يوحنا المعمدان”.

وحتى إذا أعيدت الكلمة إلى أصلها الآرامي فهي تدل على التطهير ( التعميد )  والصابئة فرقتان: جماعة المندائيّين أتباعِ يوحنّا المعمدان، وصابئةُ حرّان الّذين عاشوا زمناً في كنف الإسلام، ولهم عقائدهم وعلماؤهم، وهذه الطائفة الأخيرة انقرضت وبقيت المندائية في العراق .

 يتخذ الصابئة المندائية النبي يحيى نبياً لديانتهم  حيث ينسبون له كتاب دراشة أد يهيا (تعاليم يحيى) وهو واحد من الكتب المقدسة في الديانة المندائية والتي يفوق عددها العشرة  وأشهرها : الكنزاربّا: أي الكتاب العظيم ويعتقدون بأنه صحف آدم عليه السلام، فيه موضوعات كثيرة عن نظام تكوين العالم وحساب الخليقة وأدعية وقصص، وتوجد في خزانة المتحف العراقي نسخة كاملة منه. طبع في كوبنهاجن سنة 1815م، وطبع في لايبزيغ سنة 1867م. والناس من غير الباحثين المتخصصين يخلطون بين الصابئة المندائية وصابئة (حرَّان) . فصابئة حران هم الذين عبدوا النجوم وهؤلاء الصابئة من صبأ أي خرج من دين إلى آخر وهؤلاء هم الذين ناظرهم النبي إبراهيم عليه السلام والصابئة الحرانيّة فرقة منقرضة كما ذكرت.    ولذلك فإن الصابئة المندائية يعودون في أصلهم إلى فرقة  المستحمين صباحاً ( هيميرو بابتست ) التي كان يترأسها مشرفاً على طقوس التعميد يوحنا المعمدان ( النبي يحيى ) عليه السلام .! ويعتقد هنري يونيون في كتابه “الفرقة المندائية” المطبوع في عام 1898 أن صاحب هذه الفرقة كان من اليهود النصارى وكان متسولا اسمه دبدا وقد جاء إلى جنوب العراق للتسول، حاملاً معه وصايا وطقوس يوحنا المعمدان التي تمثلت في فرقة المستحمين ( المتعمدين ) ، ثم كثر أتباعه و توسعت هذه الطائفة على مر السنين وسموا بالصابئة المغتسلة؛ لأن جميع طقوسهم الدينية لا تتم إلا بالاغتسال في الماء الجاري ،ورد ذكر الصابئة ( المندائية ) في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصارى، مما يؤْذِن بأنهم كانوا من أهل الكتاب قبل أن يحرفوا هم أيضاً في معتقداتهم ..!! نعود إلى فرقةHemerobaptist«المستحمون في الصباح» ترجمة للكلمة اليونانية «هيميروبابتست» والمستحمون في الصباح فرقة يهودية أسينية كان طقس التعميد بالنسبة إليها أهم الشعائر. ولذا، فقد كان هذا الطقس يُمارَس بينهم كل يوم عدة مرات بدلاً من مرة واحدة في حياة الإنسان، وهذا يشبه الوضوء قبل كل صلاة عند المسلمين أضف إلى ذلك أنهم كانوا يتطهرون قبل النطق باسم الإله .   وهذا يشبه اغتسال غير المسلم قبل نطق الشهادة تمهيداً للدخول في الإسلام ..!! ولقد نسبوا أفعالهم هذه إلى يوحنا المعمدان وانتسبوا إليه وجعلوه نبيهم. وقد ظلت بقايا من هذه الفرقة حتى القرن الثالث الميلادي. إذاً فرقة المستحمون صباحاً والصابئة المندائية كلاهما ينسبون أنفسهم للنبي يحيى ولا سيما في طقوس اغتسالهم اليومي والمندائية هي التي انبثقت من المستحمين البابتست.. والسؤال الآن إذا كان الاغتسال الذي أتى به يوحنا هو طقس يومي كما تزعم الفرقتان المنتسبتان ليوحنا المعمدان .. ما الذي حول هذا الطقس إلى معمودية واحدة مدى العمر لدى المسيحين ( أتباع بولس الذي قال قولته الشهيرة الآن تحررنا من الناموس ..!! )  أضف إلى ذلك أن المسيحيين لا يلزمهم دينهم بالاغتسال من جنابة وحيض وما شابه على عكس الصابئة المندائية الأتباع الأصيلين ليوحنا المعمدان الذي عمَّد (غسَّل) المسيح في نهر الأردن ..!! والمندائيون يحرمون أكل الخنزير واقتناء الكلب في المنزل فيوافقون المسلمين في هذا ، ويخالفونهم في أنهم لا يختتنون ولا يجمعون بين زوجتين ولا يجوزون الطلاق إلا بأمر الحاكم   ويصلون إلى الشمال ناحية القطب الشمالي ويوجد الآن منهم قرابة ثلاثين ألفاً في العراق – هؤلاء هم الذين يسمون الصابئه المندائية. 

ذكر صفات النبي المنتظر( محمد) في الكتب المندائية المقدسة

جاء في” الكتره ربه” أنّ ملك العرب المسمى” سيهولدايو” أي تالي الأنبياء سيخرج في زمن ملك الفرس أزدجر (و الذي خرج في زمنه محمد صلى الله عليه وسلم) !!

* جاء في سفر” الكتره ربه”، في الكتاب الثامن عشر أنّ العرب سوف يخلفون ملوك الفرس في التمكين في الأرض، وبالفعل فقد حطم عمر بن الخطاب ملك فارس إلى الأبد ..!!

* جاء في ديوان” حران كويثة” أنّ حكم العرب يمتدّ إلى 4000 سنة قبل المسيح الدجال وأنّ” اللبنة في الجدار ستنادي به” إشارة إلى مثل” الحجر الذي رفضه البنّاؤون” الوارد في الكتاب المقدس والذي بيّنا سابقا أنّه نبي الإسلام صلى الله عليه وسلّم. وتؤكد هذه البشارة الصابئية أنّ هذا الحجر عربي. وصدقت !هذا وتعتبر كتب الصابئة المقدّسة إسماعيل” أبا لجميع المسلمين”. وللأسف فإن علماء المسلمين من المحققين لم يدرسوا كتب المندائيين المقدسة ليستخرجوا منها النبوءات الصارخة التي تخص محمد صلى الله عليه وسلم وحده كان ينادي بها نبيهم يحيى عليه السلام تماماً كما نادى بها في الإنجيل مع العلم أن تلاميذ يوحنا انقسم جزء منهم فاتبعوا المسيح أي أن الأصل العقدي واحد قبل أن يمد شاؤول اليهودي الحاقد يده ليعبث في الدين ..!!! ولا بد من وجود متفرغين نظراً للأهمية المتمثلة في تجلية الحقيقة لأنها خطيرة تمس حياة الأبد ..!!

هل يوحنا المعمدان هو إيليا المزمع أن يأتي ؟

يذكر يوحنا الإنجيلي في إنجيله أن الكهنة واللاويين أرسلوا إلى يوحنا المعمدان ليسألوه: من أنت؟ فسألوه وقالوا: ” أأنت إيليا؟ فقال: لست أنا ” (يوحنا 1/ 20 – 22). لكن متى يذكر أن المسيح قال عنه بأنه إيليّا ” الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه .. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع” (متى 11/ 14).

وفي موضع آخر قال المسيح، وهو يقصد يوحنا: ” ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا ” (مرقس 9/ 13)، فلزم من هذا التناقض تكذيب أحد النبيين أو تكذيب كتبة الأناجيل وهذا هوالصواب!!. ولذلك ترى أن المسيحيين مضطرون اضطرا ملحاً إلى مفهوم ( الفلسفة الغيبية ) للتوفيق بين تناقض الأناجيل الكبير وهذا ما فعلوه في قصة يوحنا المعمدان فدخلت مفاهيم من الرجوع بعد الموت ما كانت تنقض الديانة المسيحية إلا هي كي يزيد اختلاط الأوراق وصعوبة التمييز    ..!!  

الباحث المتمكن في الكتاب المقدس يعلم جيداً أن إيليا المزمع أن يأتي هو غير إيليا النبي الذي جاء وانتهى عهده وهو الذي كان من أنبياء اليهود والذي أحيا ابن الأرملة في سفر الملوك الأول 17 /17 – 24  ويعلم جيداً أن يوحنا المعمدان ليس هو إيليا المزمع أن يأتي ، وأن إيليا المزمع أن يأتي ليس هو المسيح والسبب بسيط لأن المسيح نفسه وصفه بالمزمع أن يأتي أي أنهم ينتظرون قدومه أي هو النبي المنتظر أي الرسول القادم بعد عيسى أي محمد عليه الصلاة والسلام ..!!

وأيضاً ببساطة ومنطقية وبالعودة إلى الأصل الآرامي لإنجيل متى فكلام المسيح في متى  11 / 14 يعني : إن الأصغر في ملكوت السموات الذي هو أعظم من يوحنا هو نفسه إيليا المزمع أن يأتي مستقبلاً وبالطبع هو ليس المسيح لأن المسيح يتحدث عنه بضمائر الغيب فهو الباركليت الذي بشر بقدومه وقد تناولت ذلك بالتفصيل بالاعتماد على ما قاله الدكتور موريس بوكاي في كتابه المتميز ( دراسة الكتب المقدسة ) في نفس المدونة هذه بمقال يحمل عنوان دلائل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان 

 ولنكمل الإصحاح في متى 11 / 7 – 15 : ( ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا ماذا خرجتم لتنظروا أنبياً ؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي ! الحق أقل لكم لم يقم بين المولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ! ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي )*  والمعنى واضح جداً في الأناجيل الآرامية أي إذا قبلتم ما سأبشر به فإن الأصغر في السماوات هذا الذي سيأتي هو الأفضل من يوحنا بينما هم ( أحبوا أن يفهموها أن إيليا هو يوحنا مع أن المعنى واضح جداً أنه يتحدث عن قادم جديد في مستقبل النبوءات وبالمناسبة لو كان المسيح هو الذي ختم النبوات وأغلق بابها ما كان ليعطي تلاميذه قواعد وأسس هامة للتمييز بين الأنبياء والأدعياء ممن سيأتي لاحقاً بعده فأين العقول النبيهة ) ؟!!    

يعلن المسيح أن النبي المنتظر والذي هو آخر الأنبياء وأصغرهم حسب الترتيب الزمني لقدوم الأنبياء إلى الأرض بأمر السماء، وكما يكني البشر بآخر العنقود عن أصغر الأبناء . هذا النبي المنتظر والذي هو محمد أفضل من يوحنا المعمدان ! والآن لنرى من هو إيلياء في سفر ملاخي 4/5 : ( يقول الرب القدير…ها أنا أرسل إليكم إيلياء النبي قبل أن يجئ يوم قضاء الرب الرهيب العظيم فيعطف قلب الآباء على أبنائهم وقلب الأبناء على آبائهم ) وصف المسيح لإيلياء بالمزمع أن يأتي إذاً ليس هو المسيح ولا حتى يوحنا ..! بل نبي يرسل قبل يوم القيامة حسب (ملاخي)  يعيد الناس إلى عبادة الواحد الأحد حسب دين الآباء والأجداد إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود وموسى. إذاً هو يعيدهم إلى أديانهم ولا يخترع لهم ديناً جديداً بشكل كلي !! والآن من هو النبي الذي جاء بعد عيسى وأعاد الناس لعبادة الواحد الأحد حسب دين الآباء والأجداد إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود وموسى ؟! أليس هو أحمد الذي حرفوا اسمه إلى إيليا لأن كهنة اليهود عندما حرفوا توراتهم وأخفوا عمداً اسم النبي المنتظر محمد -لأنه ليس من بني إسرائيل بل من بني إسماعيل – رمزوا له بصفات وأسماء تتفق في مجموع أرقام حروفها مع مجموع أرقام اسمه أو صفاته .. وكان من تلك الأسماء إيليا..!! فمجموع أرقام حروفه مساوية لمجموع أرقام حروف كلمة أحمد !! ( مجموع حروف كلمة أحمد = مجموع حروف كلمة إيليا =53  !! يبقى عندنا مسألة : أن هذا النبي سوف يجيء قبيل مجيء يوم قضاء الرب العظيم الرهيب .! فإذا ذكرنا الحديث الصحيح الذي قاله النبي محمد : ( بعثتُ أنا والساعة كهاتين ) حصلنا على التطابق البديع !!

والآن ما هو موضوع إخفاء اسم النبي المنتظر والإشارة إليه بمجموع أرقامه ولماذا فعل اليهود ذلك ؟! هذا ما سنعرفه لاحقاً فتابعوني من فضلكم لأنها مسألة طريفة جداً تدل على خبث اليهود ومكرهم المدبر بليل ….!!!!!!

د. هالة هاني صوفي

 

كتاب ( قس ونبي ) بين النقد والنقض ..!

 

الجزء الثاني

 

ما هو الدين الذي كانتْ عليه قريشٌ قبل بعثة النبي محُمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ؟؟ وهل كانتْ قريشٌ نصرانيّة أو أحدُ فروعِها ؟؟ وهل وُجد في الكعبة صورةٌ لعيسى ومريم عليهما السلام ؟

 يقول (الحريري ) صانع كتاب ( قس ونبي) في الفصل الأول الباب الثاني ( نصرانية القس ورقة ) الصفحة 14 ما يلي : (( وشهد التاريخ الإسلامي على تنصُّر أحياء كثيرة من العرب ، ودلَّ خاصة على دخول النصرانية بعض قبائل مكة والحجاز وأشار إلى اعتناق بعض بطون قريش لها ، وأخصها فرع عبد العُزَّى بن قُصي قال اليعقوبي في تاريخه : ( وأما من تنصر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزّى منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزّى وورقة بن نوفل بن أسد ، وأشار أيضاً إلى تدين قبيلة قريش كلها في قوله : (وكانت العرب في أديانهم على صنفين الحُمس والحُلة فأما الحُمس فقريش كلها ) وأوضح اليعقوبي معنى هذا  التدين  قائلاً : ( كانت قريش وعامة ولد معد بن عدنان على بعض دين إبراهيم ، يحجّون البيت ، ويقيمون المناسك ، ويُقرون الضيف ، ويعظّمون الأشهر الحرم ، وينكرون الفواحش ، والتقاطع والتظالم ، ويعاقبون على الجرائم ، فلم يزالون على ذلك ما خلوا ولاة البيت ) ويؤكد الأزرقي في آثار مكة نصرانية قريش وتدينها في قوله : وَجَعَلُوا فِي دَعَائِمِهَا صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ، وَصُوَرَ الشَّجَرِ، وَصُوَرَ الْمَلَائِكَةِ، فَكَانَ فِيهَا صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ شَيْخٍ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، وَصُورَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ، وَصُورَةُ الْمَلَائِكَةِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَجَاءَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ، وَأَمَرَ بِطَمْسِ تِلْكَ الصُّوَرِ، فَطُمِسَتْ. قَالَ: وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى صُورَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ: «امْحُواجَمِيعَ الصُّوَرِ إِلَّا مَا تَحْتَ يَدَيَّ» فَرَفَعَ يَدَيْهِ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ .)) انتهى نص (الحريري) .

لا تخفى على الباحث المتخصص الأخطاءُ والتشويهاتُ الكثيرة التي لحقتْ بالنص السابق المضطرب ، كما لا يخفى عليه لماذا أورد (الحريري ) الجُملَ بهذا الأسلوب المراوغ واضعاً الجملة ومفسراً ما بعدها فوراً بنقيضها لأن طالب الحاجة أرعن ..! فانتبهوا مثلاً إلى ما أورده الحريري في نصه السابق من تناقض متكئاً على قول اليعقوبي ، يقول الحريري : أشار اليعقوبي إلى اعتناق بعض بطون قريش للنصرانية ثم ألحقها بجملة وأشار اليعقوبي إلى تدين قبيلة قريش كلها (على معتقد الحمس الشركي ) ..!! ثم إن الحريري يعتمدُ مُعظمَ أدلتِه من كتب لا يعتمدُها علماءُ المسلمين بل يعتمدها كلُّ المشككين الطاعنين ..! وهذه الكتب ليست محُقَقَة فمعظم أحاديثها يتراوح بين الضعيف والموضوع ..!!  وعلى رأسها السيرة الحلبيّة وتاريخ مكة للأزرقي وتاريخ اليعقوبي ذلك الكتاب المحشو بالأخطاء والمغالطات ، كما ذكر نقادُ التاريخ المتخصصون إذ أنَّ  (تاريخ اليعقوبي ) يُمثِّلُ الانحرافَ والتشويه الحاصلَ في كتابةِ التَّاريخِ الإسلاميِّ ، وهو مرجعٌ لكثيرٍ من المستشرقين والمستغربينَ الذين طعنُوا في التَّاريخِ الإسلاميِّ وسيرة رجاله. مع أنه لا قيمة كبيرة له من الناحية العلميّة إذ يغلب على القسم الأول: القصص والأساطيروالخرافات أما القسم الثاني فقد كُتِبَ من زاويةِ نَظَرٍ منتميّة وغير موضوعيّة , كما أنه يفتقدُ مِنَ النَّاحيةِ المنهجيّةِ لأبسطِ قواعدِ التَّوثيقِ العلميِّ .ورغم كل ذلك فإن ( الحريري ) يفتري على مَنْ يستدلُ بكتابه وهذا ليس من أدب البحث العلمي..!!

يقول (الحريري) : ((وأشار- اليعقوبي – أيضاً إلى تدين قبيلة قريش كلها في قوله:  (وكانت العرب في أديانهم على صنفين الحُمس والحُلَّة……) والعجيب أنَّ (الحريري) يلقي بالكلام كيفما اتفق وكأنه يخاطب المجانين..!! فكيف أشار اليعقوبي إلى نصرانية بعض قريش ثم تدين كل قريش في حديثه عن دين الحُمس التي كانت عليه كلُّ قريش  ، وما دخل الحُمس والحُلّة بالنصارى أصلاً..؟؟  إنه الخلط والتخليط الشنيع في أسلوب الحريري المفتري وبركاكة عجيبة وتاريخ اليعقوبي كتاب لا تنقصه الافتراءات   ….!!!! وإذا كانت قريش كلُّها تحجُّ البيتَ وتعظِّمُ الأشهر الحرم وتطوف بين صنمي أساف ونائلة فهل هذا دليل على أنها نصرانيّة أوحتى بطون منها ..!! بل ما علمنا عاقلاً يزعم أنَّ النصارى أو فئةً منهم طافوا حول البيت الحرام أو عظَّموا الأشهرَ الحرمَ  فلله درُّك أيها (الحريري) من باحث (عن الحقيقة)..!!

  ثم يزعمُ (الحريري ) دون دليل وخلافاً لكل كتبِ التاريخ والأنساب أنَّ فرعَ عبد العُزّى بأكمله كان فرعاً نصرانياً ، وفي الحقيقة و بالدليل القاطع فإنَّ فرعَ عبد العُّزىلم يكن كله إلا فرعاً مشركاً يعبد الأصنامَ لتُقَرِبَهُ إلى الله زلفى ، وإنَّ تَنَصُّرَ فرد أو فردين من الفرع لا يعني هذا نصرانية الفرع كله ، فالتعميم عند (الحريري ) من أعظم عيوبه وهذا يدل على قلة الإطلاع وانعدام التخصص في المباحث التاريخية ذات البعد العَقَدي ..!! أضف إلى ذلك أنه حتى كلمة (قوم ) التي اتكأ عليها الحريري لا تعني  (في اللغة ) الكثرة بالضرورة ، إذ يمكن إطلاق كلمة قوم على جماعة يمكن عدُّها و إحصاؤها ، لذلك يمكن القول في العربية  جاء القوم إلا زيدًا..!! وواضح جداً أن كلمة قوم في قول اليعقوبي الذي يستشهد به الحريري وردت بمعنى الجماعة القليلة لأنها مشفوعة بإسمين فقط ..!!

 إنَّ الحديثَ الذي أورده الحريري عن الأزرقي : (امحُ كلَّ صورةٍ فيها إلا ما تحت يدي، فرفع يده عن عيسى وأمه) .هو حديث منكر. أخرجه الروياني في ((مسنده)) (ق 266 / 1) من طريق ابن جريج وأورد سبب نكارته الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة .   

 أما من بعض الأحاديث التي صححها الألباني في موضوع الصور داخل الكعبة فهي كما يلي :    عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ – يَعْنِي: الْكَعْبَةَ – لَمْ يَدْخُلْ ، وأَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وإسماعيل بأيديهم الْأَزْلَامُ ، فَقَالَ: ((قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ! وَاللَّهِ مَا اسْتَقَسَمَا بالأزلامُ – قطُّ)). وعن ابن عباس:أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قَدِمَ مكة؛ أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخرجت، قال: فأخْرَجَ صورةَ إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” قاتلهم الله! والله! لقد علموا ما اقتسما بها قَطُ “.قال: ثم دخل البيت؛ فكبَّر في نواحيه وفي زواياه، ثم خرج ولم يُصَّلِ فيه. قال الألباني: إسناده صحيح على شرط البخاري

ثم إنَّ الدينَ الإسلامي يحرِّمُ الصورَ والتماثيلَ تحريماً قاطعاً لا لبس فيه ولا إشكال وذلك للأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة عن خير المرسلين وخاتم النبيين صلوات ربي وسلامه عليه : فقد ورد في صحيح البخاري عن ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا»  وفي البخاري أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» وعلَّقَ على ذلك الدكتور المحقق مصطفى البغا بقوله : ( قد تكون صور بشر وحيوانات ولا يُشترط أن تكون ذات أبعاد ثلاثة بل تنطبق على ما يُرسم باليد أو يثبت شكله وخلقته بواسطة آلة ). و بناء على ما سبق من الأدلة المُحرِّمة للصور وبشكل قاطع فإن الرسولَ الكريم محمداً عليه السلام لم يضعْ يدَه على صورة عيسى وأمه عليهما السلام ، لأنه أسوةٌ وقدوةٌ لكل المسلمين ، فما كان ليقول قولاً موحى إليه ثم يفعل ما يناقضه ..! ثم إن الرواية التي أوردها الحريري لا يُعتدُّ بها أصلاً لأنها موضوعة أي ملفَّقة وكاذبة ..!! 

 وفي الحديث الصحيح عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَيْتَ، فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَصُورَةَ مَرْيَمَ، فَقَالَ «أَمَا لَهُمْ، فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ المَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ، فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ» أخرجه البخاري  وهذا الحديث صحيح  لذلك من المنطقي أن يُطرح السؤال التالي ما الذي أتى بصورة مريم عليها السلام إلى داخل الكعبة  ؟؟! علماً بأن تجسيدها تمثالاً أو صورة يرمز للثقافة المسيحية ؟؟!! أما السؤال البعيد عن المنطق والذي أوحى إليه الحريري في نصه السابق فهو: هل وجود رسم مريم عليها السلام في الكعبة يدلُّ على أن محمداً كان تلميذ النصارى ؟؟!!   

 تورد كل كتب التاريخ المعتبرة ومعها المصادر النصرانيّة  أن باقوم الرومي النصراني القادم من جدة هو الذي بنى الكعبة في الجاهلية وزينها مع النجار القبطي المقيم في مكة ، وذلك عندما أعادت قريش بناءها بعد هدمها لأنها احترقت حريقاً كبيراً  ..!!    وقصة هذا البنَّاء النصراني أنه كان على سفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد ، كان قد سرَّحها قيصر الروم مع باقوم الرومي إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس في الحبشة ، فلما بلغت مرساها من جدة ، بعث الله عليها ريحاً حبستها فحطمتها ، فخرجت إليها قريش وعلى رأسهم جلمود الشرك الوليد بن المغيرة واشترت خشبها ، وطلبوا من باقوم وقد كان بنَّاءً العمل معهم على أجر وهو أن يتجروا معه ، وكان بمكة نجار قبطي ( نصراني ) لم يكن في مكة أمهر منه فاقتادوه في مهنتهم أيضاً وتولى تزيين الكعبة فزوقها لهم  بالصور!! وقد ورد ذلك في الإصابة وفي السيرة والشمائل للسهيلي وفي سيرة ابن إسحق وكتاب ( غريب الحديث ) لأبي سليمان الخطابي وابن منده في كتاب معرفة الصحابة والدكتور جواد العلي صاحب كتاب ( المفصل في تاريخ العرب )  وأورد ذلك ابن سيرين وكذا الأب رزق الله شيخو في كتابه (النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية) ، ومثل ذلك ما رواه أبو الوليد محمد الأزرقي في كتاب أخبار مكة (ص105، 107، 114) عن باقوم الرومي النجار والبناء الذي وكلت إليه قريش بناء الكعبة بعد حريقها وتصدع جدرانها ، فبناها بما اشتراه القرشيون من الخشب الذي أقبلت به سفينة الروم إلى جدة. وهم نصارى الأقباط والروم أيضاً الذين سقفوا بالساج المزخرف المسجد الحرام في مكة في أيام الوليد بن عبد الملك (الأزرقي ص209) وقد تعمدتُ ذكرَ ورود القصة عند الأزرقي – صاحب التاريخ غير المحقق –  لأنه الكتاب الذي يأخذ منه الحريري ولكنه توقف هنا ولم يأخذ منه فكلام الأزرقي هنا بالذات لم يعجبه لأنه وببساطة لا يصبُ قي مستنقع افتراءاته …!!!

أما ابن خلدون فيناقش سبب وجود الحرفيين النصارى في مكة في الجاهلية حيث يقول في المقدمة (2: 313 طبعة باريس) : “إن العرب أبعد الناس من الصنائع والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو وأبعد من العمران الحضري. والعجم من أهل الشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها ، لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو” ثم ذكر كيف أن العرب استجلبوا صنائعهم من عند تلك الأمم. وأيضاً يقول  محمد إبراهيم الفيومي في كتابه : تاريخ الفكر الديني الجاهلي : ((  هناك روايات تاريخية تذكر أنَّ الفرس قصدوا مكة كثيرا وذلك كما ذكر المسعودي في مروج الذهب  “1: 188” قال : ( وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به تعظيما له ولجدها إبراهيم.)  كما دخلها جيش أبرهة الحبشي وكتب غير واحد من اليونانيين المؤرخين: أن أبرهة زحف على مكة في مركب يجرها أربعة من الفيلة وأن جيشه لم يعد منه إلا القليل لكثرة من مات منه , كما لجأ إليها من المسيحيين : النساطرة وأصحاب الطبيعة الواحدة وكلا المذهبين اضطُهدا سياسياً، ودينياً. وبسبب عزلة مكة -لأن طقسَها قاسٍ- فقد رغب فيها اللاجئون السياسيون الذين وقعوا فريسة للاضطهاد السياسي، أو الديني، فكانوا يفزعون إليها؛ لأنهم يجدون فيها الملجأ الآمن المُطَمْئِن، وكذلك جاليات اليهود، والنفر من النصارى، الذين ما دخلوا تلك البلاد إلا فرارا من حملات الاضطهاد الروماني التي وقعت عليهم. لذلك لم يكن بعيداً علينا أنْ نجدَ في مكة قديماً – كما ذكر القرآن- بعضاً من اليهود والنصارى، والمجوس، والصابئين، ونجد فيها: الأصنام، والأوثان،( وصور مسيحيّة ) , ومصطلحات دينية غير عربية مثل: الجبت، والطاغوت.ومعلوم ( لكل باحث مرموق ) أنَّ اليهوديّة لم تنشأ في مكة، ولا النصرانيّة، ولا المجوسيّة، ولا الصابئة، ولكنها وفدت إليها تحت قسوة الاضطهاد السياسي أو الديني. )) انتهى  . أضف إلى ذلك أن أولَ من كسا الكعبة هو تُبع الآخر اليماني وهو  أسعد الحميري وكان هذا الشخص على النصرانيّة . وبناء على كل ما سبق  فإنه لم يعدْ من الغرابة بمكان وجود شيء من آثار نصرانية ثقافية في مكة ، بل وجود صورة لمريم عليها السلام جداريّة كانت أم تمثالاً في الكعبة إلى جانب  صورة أبي الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام رافِعَيْ قواعد البيت من بين التماثيل الكثيرة التي كانت تُعدُّ بالمئات في مكة ..! ونذكر وننوه بأن النصارى لا دخل لهم بإسماعيل وقد وجدت صورته مع صورة مريم عليهما السلام   ..!

ولا بأس في الاستطراد بأن نعود قليلاً إلى أبرهة الحبشي الأشرم المسيحي الذي غزا مكة لنثبتَ حقائق لا بد من سردها لأهميتها ولعلاقتها بالموضوع ، فأنا لست شغوفة بتعقب افتراءات الحريري بقدر شغفي بتجلية الحقائق ذات الصلة : تُقدم كتبُ التاريخ أبرهةََ على أنه مسيحي من  مملكة أكسوم إثيوبيا حالياً ) ، ويقال له أيضاً أبرهة الأشرم (ت 570) كان حاكماً على الأراضي العربية من مملكة أكسوم الحبشيّة هذه ، ولاحقاً أصبح ملكاً على اليمن, أبرهة كان واحداً من قادة جيش الملك (كالب ) الذي أُرسل لإخضاع الجزيرة العربية في حوالي عام 520 م ، ثم في عام  571 م حاول الخبيث أبرهة الاعتداء على الكعبة المشرفة إذ كان يريد هدمها ليُحوِّلَ العربَ إلى (القليس ) كنيسته الكبيرة في اليمن فيسيطر على بلاد العرب ويتحول العرب إلى النصرانيّة ( وهذا يؤكد أنَّ العربَ في مكة لم يكونوا نصارى طرفة عين ولا حتى بطون منهم ..!! ) ولكنَّ أهلَ قريش رأَوا الجيش بأعداده وعتاده فهربُوا إلى الجبال وبينما كان أصحابُ الفيل المسيحيون يحاولون  دفعَ الفيل العظيم المُعَد خصيصاً لهدم الكعبة المشرفة  إذْ سلط عليهم الله تعالى طيوراً تقذف الحجر الملتهب فتُهلكُ من أصابت ..!!

والآن لا بد من الإشارة إلى أمرين: الأمر الأول أن قريشاً لو كانتْ نصرانيّة أو أن مكة تعجُّ بالنصارى فلماذا أراد أبرهة المسيحي غزو مكة وهدم الكعبة بهذه الضراوة والوحشية ؟؟!!  كان على الأقل اتفق أو حاول الاتفاق مع النصارى منهم ولا سيما أنَّ الكاتبَ (الحريري) زعم أنَّ ورقةَ بنَ نوفل كان قس مكة في ذلك الوقت ..!!  وما دامت قبائل العرب في مكة من النصارى أو بعض منهم على الأقل فلماذا فزعوا وهربوا من جيش أبرهة النصراني وكان من الواجب أنْ يستأنسوا ويرحبوا به أو بعضاً منهم على الأقل ولو دفعاً لشره ولا سيما أنَّ الدينَ مشترك ؟! .. ولماذا قامت بعضُ القبائل وعلى رأسها قبيلة (هُذيل ) بالدفاع عن البيت ببسالة سجلها التاريخ ضد الغازي المسيحي ..؟! ثم إذا كان أبرهة المسيحي على الحق فلماذا أرسل الله على أبرهة وعلى جيشه المسيحي العذابَ الماحق المريع على شكل حجارة مشتعلة تحملها الطير الأبابيل تلقيها على رؤوسهم ، والحادثة هذه فريدة جداً ومثبتة لدرجة أنَّ كلَّ المؤرخين على اختلاف دياناتهم ذكروها ، حتى أنَّ العام سمي عام الفيل وهو نفسه الذي ولد فيه محمد عليه الصلاة والسلام  ..!! هذه الأسئلة كلها برسم ( الحريري ) الباحث (النحرير) عن الحق والحقيقة ..! هذا وننوه إلى أنَّ  المصادرَ المسيحية نفسها مختلفةٌ حول تصويرها لأبرهة، فالمصادر البيزنطية ترسم صورة سيئة عنه ومَرّد ذلك أنه لمْ يفِ  بأي من وعوده لهم  أما المصادر المسيحية الأخرى فتصفه بأنه كان مسيحياً حقاً يخاف الربَّ . (ولذلك ذهب لهدم بيت الله الحرام الذي رفعه إبراهيم …) ..؟؟!!!

 

 من هم الحُمس والحُلّة والطُّلس في قريش هل هم حقاً فرق من النصارى ؟؟!

كانت قريشٌ قبيلةً مشركةً  ، تعبد الأصنامَ زاعمةً أنها تقربها إلى الله . فقريش لم تكنْ تنكرُ اللهَ ولكنْ تُشرك في عبادته شركاً عظيماً ، وكانت قبيلة قريش تمارس في عبادتها شعائرَها الخاصة أثناء الطواف حول البيت العتيق الذي كان يغصُّ بمئات الأصنام ..! وكانت القبائل المشركة الأخرى تقطع الفيافي والقفار لتطوفَ حول هذه الأصنام ، وكانت قريش تعدُّ نفسَها مميزة عن القبائل الوافدة لأن البيتَ في عُهدتها فهم السدنة الكرام ، وتفرَّق المشركون من قريش وغيرهم من قبائل العرب في ممارسة شعيرة الطواف حول الكعبة المليئة بالأصنام على ثلاث فرق وليس على  (فرقتين )  -كما أشار الحريري فهو يزيد وينقص من المعلومة التاريخية المثبتة على هواه وفقاً لحاجته –  وهذه الفرق الثلاثة هي :الحُمس والحُلّة والطُّلس وأعود للتأكيد على أن الاختلاف في طرق ممارسة الشعائر وليس في العقيدة فكلهم على الشرك يعبدون الأصنام ويطوفون حولها ، إلا أنَّ الحُمسَ وهم شديدو الدين المتحمسون في انتمائهم إلى الحَرَم ، يطوفون في ثيابهم الجديدة ، والحُلَةُ  يطوفون حفاةً عُراةً لأنهم وحسب زعمهم لا يتعبدون في الثياب التي اقتُرفتْ فيها الذنوب ..! وإذا عظم على بعضهم الطوافُ عارياً استعار ثوباً من أحد الحُمس ليطوفَ به ..!! والحُمس لا يدخلون بيوتهَم من أبوابها عند ممارسة شعائر شركهم ..!! بل ينقبون في جدران بيتهم نقباً يدخلون منه ..!! والحُمس لا يخرجون إلى عرفات بل يلزمون مزدلفة حتى يقضوا نسكهم ويطوفون بالصفا والمروة حيث يوجد صنمان يدعيان أساف ونائلة آساف بالصفا ونائلة بالمروة وذلك فور انصرافهم  من مزدلفة. ( فهل قرأتم في كتاب ما  أن من شعائر النصارى الطواف بين الصفا والمروة والتزام المزدلفة  أم أن أساف ونائلة من آلهة النصارى ….؟؟؟!!!) و قبائل الحُمس من العرب: قريش كلها. وخزاعة لنزولها مكة، ومجاورتها لقريش ، وكل من ولدت قريش من العرب وكل من نزل مكة من قبائل العرب.فممن ولدت قريش: كلاب، وكعب، وعامر، وكلب بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمهم مجد بنت تيم بن غالب بن فهر. وإياها عنى لبيد بن ربيعة بقوله:

سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرًا والقبائل من هلال

والتاريخ يوثِّقُ بالأدلة أنَّ كلَّ القبائل السابقة هي قبائل مشركة بالإضافة إلى قريش فالشرك هو السمة الأساسية لدين العرب القاطنين في شبه الجزيرة العربية في الجاهليّة ،بينما النصرانية انتشرت جغرافياً بين عرب الشام والعراق لأسباب سياسة معتبرة ، ولم تنتشر في شبه الجزيرة وهذا بديهي لكل مؤرخ ناقد .

   ونعود إلى الُطلس الفئة الثالثة المتوسطة الذين ضرب عنهم الحريري صفحاً متعمداً وقد أصبحتم تعلمون لماذا !! ، لأنهم في شعائر طوافهم بين الحُلَّة والحُمس وهذا يؤكد أيضاً أن الحُمس وهم كل قريش ليسوا نصارى  ..! والطُّلس يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحُلَّة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحُمس.وذكر أبو جعفر البغدادي في ( المحبر) أنَّ الطلسَ لا يتعرَّونَ حول الكعبة، ولا يستعيرون ثياباً من الحُمس، ويدخلون البيوت من أبوابها ولا ينقبون جدرانهم ، وكانوا لا يئدون بناتهم ، وقد ذكرهم السهيلي وقال إنَّ الطُّلسَ من مشركي العرب , وكانوا يأتون من أقصى اليمن طُلسا من الغبار؛ فيطوفون بالبيت في تلك الثياب الطُّلس، فسموا بذلك .! أما الحُمس فسموا كذلك لأنهم يعتبرون أنفسهم أهل (الحمساء ) أي الكعبة لأن لونَ حجارتها أبيضٌ ضاربٌ إلى السواد فهم أهل الكعبة أي أهل الحرم، والحُلة أهل الحل الذين ابتدعوا في طقوس الطواف. ولقد فصلّ “روبرتسن سمث” في تاريخه الأسبابَ التي جعلت القبائل المشركة العربية تُعنى بموضوع الثياب عند الطواف حول بيت الله ، وأعادها في أصولها إلى عادات القبائل البدائية أي (التابو ) ..!

وعندما جاء الإسلام هدية السماء العظمى حاملاً الهداية لأهل الأرض حافظ الإسلام على قدسيته وعلى تقاليد الحج، إنما نفى عنها كلَّ ما يمتُّ إلى الوثنية بِصِلة وكرَّسها لله الواحد الأحد، فأعاد الأمور إلى نصابها، باعتبار أنَّ الكعبةَ كانت في الأصل بيتًا لله سبحانه وتعالى وأن شعائر الطواف كانت في البداية خالصة لله الواحد الأحد ثم عَبثتْ بها يدُ الشرك الآثمة .

 هل كان ورقة بن نوفل من عائلة نصرانية ؟؟

 يزعم الحريري صانع كتاب (قس ونبي) أنَّ ورقة بن نوفل كان من عائلة نصرانية أباً عن جد وأنَّ فرعَ عبد العُزَّى بأكمله فرع نصراني بالنسب فهل هذا قول يُعتد به أو به أثارة من علم ..؟! 

هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُّزى بن قصي يلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ( قصي ) الجد الأكبر لقريش .

 

تثبت الأدلة التاريخية الصحيحة بأن الفرعَ الذي ينتمي إليه ورقة بن نوفل : ( نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ) هو نفسه الفرع الذي تنتمي إليه خديجة زوجة النبي عليه السلام فأبوها من بني أسد ، وهذا الفرع هو فرع مشرك كقريش كلها ، وليس الفرع فرعاً نصرانياً من قريش كما زعم الكاتب ( الحريري ) فأبو ورقة هو نوفل من بني أسد ، وأبو خديجة هو خويلد بن أسد ، وبنو أسد كلهم مشركون يعبدون الأصنام التي حول الكعبة وقد كانت لهم تلبية خاصة بهم عند الطواف تكرس شركهم من جهة وشعورهم بعلو شأنهم وشرف نسبهم من جهة أخرى ..!! وهذا ما جاء في كتاب (الأعلام ) لخير الدين الزركلي بأن أسد بن عبد العُّزى كان مشركاً وكانت تلبية بني أسد إذا طافوا حول البيت وذلك لشرفهم وسؤدد نسبهم تعرف من بين كل التلبيات الأخرى : ( لبيك اللهم لبيك أقبلت بنو أسد أهل الجلد والوفاء إليك …) وكذلك فقد كتب ابن السائب الكلبي نسابة العرب كتاباً خاصاً عن بني أسد بعنوان ( أخبار أسد بن عبد العزى ) وذلك لاشتهارهم في قريش ثم يأتي مُدَّعٍ منكود الحظ كالحريري ويقول إننا لا نعرف شيئاً عن هذا ( الفرع منكود الحظ )  لأنَّ التاريخَ تعمد إخفاء حقيقته ، وذلك بزعمه كي لا نعلمَ أنه فرعٌ نصراني ، وأنَّ النصرانية تعجُّ في قريش ، وأنَّ محمداً تدرب على يد قريبه النصرانيّ ورقة بن نوفل وابنة عمه خديجة النصرانيّة !!!!

أما الجد الثاني المشترك لورقة بن نوفل وخديجة بنت خويلد فهو عبد العزى فقد كان منذوراً من قصي للصنم العُزى أكبر أصنام قريش ،ولكن الحريري يأبى إلا أن يتحفنا بأن عبد العُّزى كان من الفرع النصراني لقريش .. حقاً إنَّ الفهمَ نعمةٌ عظيمة و إنَّ اللبيبَ من الإشارة يفهم فكيف إذا كانت الإشارات حقائق ثابتة  ..!!! و أيضاً مما يثبت ويؤكد أنَّ خديجةَ لم تكن نصرانية أيضاً هو زواجها من رجلين من مشركي قريش ، هما عتيق بن عائذ المخزومي ثم هند بن زرارة ( أبو هالة التميمي )الذي رثى كفار بدر.!! وأنجبت أولاداً ماتوا كلهم قبل الإسلام فلو كانت خديجة نصرانيّة حقاً ومن أهل الكتاب هل تختار الكفار للزواج منهم وتترك النصارى ( الذين تعجُّ بهم مكة كما زعم الحريري ) ..!!!  إننا إذ أتينا بالدليل على عدم نصرانية خديجة فذلك ليس لمجرد دفع النصرانية عنها فلا يضرها ولا يضيرها ، ولا لدفع التهمة التي مفادها أنها علمت محمداً النصرانية هي وابن عمها ورقة فالأمر أهون من ذلك بكثير فليس كلام المشككين من الخطورة بحيث يحوجنا إلى الهجوم عليه ولا الإسلام من الضعف بحيث يحوجنا إلى الدفاع عنه..!! ولكننا نعشقُ الحقيقة ونقدِّر العقلَ ويعجبنا الدليل الذي لولاه لقال من شاء ما شاء كما فعل ( الحريري ) إذاً خديجة ليست المدربة النصرانيّة وليست مساعدة ورقة الذي علم محمداً فنون النبوة وأخلاقها !!وبالتالي ليس ورقة هو المنظر العقدي ، وواضع أيديولوجيا الإسلام والمنسق لقوانينه التشريعية البديعة الخاصة جداً ، و التي يتميز بها الإسلام وحده دوناً عن كل الديانات الأخرى ، وليس ورقة بن نوفل ذلك الخارق الذي سبق عصرَه في مجال العلم بمئات السنين ليثبتَ في القرآن حقائق علمية دقيقة ، ويميط اللثام عن قوانين كونية غاية في الإبداع لم تُعرف إلا منذ زمن قريب ، بينما يحشو الكتب الأخرى (المقدسة )التي  (ينتمي) إليها بالترهات والتناقضات العلميّة المضحكة  ..!!!!

 

دين أشهر أقرباء ورقة بن نوفل من فرع عبد العُّزى

   

إخوة ورقة بن نوفل وهم ولد نوفل بن أسد بن عبد العزى : 

ورقة، وصفوان أمهما: هند بنت أبي كبير بن عبد بن قصي ، فأما ورقة ، فلم يعقب. وكان قد كره عبادة الأوثان، فطلب الدين في الآفاق، وقرأ الكتب. وقد أورد البيهقي في كتابه الأسماء والصفات أن ورقة كان يقول بعد أن يستقبلَ البيت ويسجد : (اللهم إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم) ، وصفوان بن نوفل بن أسد: ليس له عقب إلا من ابنته بُسرة بنت صفوان الصحابية الجليلة ، وعدي بن نوفل بن أسد وأمه: أمية بنت جابر بن سفيان، أخت (تأبط شراً) الفهمي. وكان عدي والياً لعثمان على حضرموت .ومخرمة بن نوفل : أيضاً أخو ورقة بن نوفل وقد كان من رجال مشيخة قريش وكبرائهم المشركين مع حويطب بن عبد العزى أوردهم أيضاً ابن عساكر في كتابه الشهير تاريخ دمشق . وعبيد الله بن نوفل أصغر إخوة ورقة .

ولمخرمة بن نوفل قصة شهيرة : خرجت عير من مشركي قريش قبل الإسلام بعشر سنين وهم ثمانون رجلا إلى الشام تجارا والبلاد يومئذ وبئة ، فأقاموا أياما حتى فرغوا مما يريدون ثم خرجوا فلما كانوا بعنازة على ساق بسطوا خميلة لهم ووضعوا شرابهم فشربوا حتى ثملوا وطرقهم الطاعون فماتوا أجمعون إلا رجلين منهم هما حملا تركات القوم أحدهما صفوان بن نوفل وهو أخو ورقة بن نوفل ومخرمة بن نوفل فالثلاثة إخوة ، ومن أبناء صفوان عبد الله بن صفوان بن نوفل وقد استعمله هشام بن عبد الملك على الشام . 

أختا ورقة بن نوفل :

رقيقة بنت نوفل وأختها قتيلة وهذه الأخيرة كانت  ممن يعتافون و هي التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب ( والد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ) و كلتاهما كانتا على الشرك وعبادة الأصنام !! في رواية ابن مطعم: أن قتيلة بنت نوفل، أخت ورقة، توسمت ما كان بين عيني عبد الله قبل أن يتزوج آمنة، فودّت لما كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل من البشارات بوجود محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه قد أزف زمانه أن يكون ذلك منها فعرضت نفسها عليه ، قال الحافظ ابن كثير: ليتزوجها في الأظهر، فامتنع عليها، قال: فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته إياها تعرض لها فقالت: لا حاجة لي فيك، وتأسفت على ما فاتها من ذلك، وأنشدت في ذلك شعرا فصيحا بليغا، قال: وهذه الصيانة لعبد الله ليست له وإنما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وَأخرج ابْن سعد وَابْن عَسَاكِرأيضاً من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْمَرْأَة الَّتِي عرضت على عبد الله مَا عرضت هِيَ أُخْت ورقة بن نَوْفَل ، وهكذا فإن كل إخوة وأخوات ورقة بن نوفل الذين عرضتهم كتب النسب ليسوا من النصارى ولا المتنصرين فهم إما مشركون ماتوا على الشرك أو مسلمون أجلاء فما تعليق الحريري يا ترى ..!!!!

بُسْرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى الأسدية.

ورد في كتب الإصابة والتهذيب وتحفة الطالب أن عمها ورقة بن نوفل وهي ابنة أخيه وبسرة صحابية جليلة لها سابقة وهجرة، وهي جدة عبد الملك بن مروان أم أمه ، رضي الله تعالى عنهم.  وبقية ولد نوفل من ولد الحصين بن عبيد الله بن نوفل بن عدي بن نوفل بن أسد .

الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد وابن عم ورقة بن نوفل كان من المشركين ثم أسلم وأصبح من مهاجرة الحبشة .

نَوْفَلُ بْن خُوَيْلِدِ بْن أَسَدِ بْن عَبْد العزي، وهو ابْنُ العدوية، وَكَانَ يُدْعَى أَسَدَ قُرَيْشٍ، وكان من جبابرة المشركين في فرع عبد العزى !!! َقَتَلَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ. وكان نوفل يقرن أبا بكر وطلحة في جبل بمكة يقرنهما معاً ليعذبهما على الإسلام فلذلك سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ (القرينان ) .

زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عَبْد العزى:   كان يُكنى أبا حكيمة، وفيه يقول أبو طالب بن عَبْد المطلب:

عظيم الرماد سيد وابن سيد وقتل يوم بدر كافرًا. وولد زمعة عقيلاً الذي قتل مع أبيه يوم بدر مشركاً كافراً، ولا عقبَ له. وولد زمعة : يزيد بن زمعة فهومن مهاجرة الحبشة، واستشهد يوم حنين، ويُقال يوم الطائف. وولد زمعة أيضاً عَبْد الله بن زمعة ممن حضر دار عُثْمَان بن عَفَّان، وقاتل عنه !! ولو ذهبت لأحصي أقرباء ورقة بن نوفل بتمام عددهم لأخرجت الموضوع عن أصله لكثرتهم وللاستفاضة التي تحدثت بها كتب الأنساب عنهم وبالتفصيل الدقيق ولكن يأبى الحريري إلا أن يفتري على التاريخ و يسمي فرع عبد العزى بالفرع (النصراني) المنكود الحظ الذي أغفل ذكره التاريخ ..!!!

وأما قصة البقية الذين يعنى بهم (الحريري) فلا بد من إدراجها لوحدها لتعلموا الأسلوب الذي يتبعه في التدليس عند ذكر أسمائهم  ..!!

ولد الحويرث بن أسد بن عبد العزى : هما عثمان والمطلب وأمهما: تماضر ابنة عمير بن أهيب بن حذافة بن جمح.

 عثمان بن الحويرث:

ويقال له البطريق ولا عقب له ، طمع في الرئاسة وخطط لها فلم يجد إلا التنصر وسيلة لها وهذه قصته :

عن عروة بن الزبير قال: خرج عثمان بن الحويرث، وكان يطمع أن يملك قريشاً، ، حتى قدم على قيصر، وقد رأى موضع حاجة قريش إليه، ومتجرهم ببلاده. فذكر للقيصر مكة ورغبه فيها، وقال: تكون زيادة في ملكك كما ملك كسرى صنعاء. وقال: ” أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك! ففعل القيصر، وكتب لعثمان بن الحويرث عهداً وختمه بالذهب؛ فهابت قريش قيصر، وهموا أن يدينوا له ؛  فملكه عليهم، وكتب له إليهم.  و حمله على بغلة عليها سرج عليه الذهب، حين ملَّكه. ومما يقال أنه لما قدم بن الحويرث على قريش قال: يا قوم إن قيصر من قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه ، وقد ملكني عليكم، وإنما أنا ابن عمكم وأحدكم، وإنما آخذ الجراب من القرظ، والعكة من السمن، والإهاب، فأجمع ذلك ثم أبعثه إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشأم فلا تتجروا به، ويقطع مرفقكم منه. فلما قال لهم ذلك خافوا قيصر، وأخذ بقلوبهم ما ذكر من متجرهم، فأجمعوا على أن يعقدوا على رأسه التاج عشية ، وفارقوه على ذلك. فلما طافوا عشية، بعث الله عليه ابن عمه أبا زمعة الأسود بن المطلب بن أسد، فصاح على أحفل ما كانت قريش في الطواف: يآل عباد الله، ملك بتهامة !! إن قريشاً لقاح لا تملك ولا تملك..!! )  فانحاشوا انحياش حمر الوحش، ثم قالوا: صدق واللات والعزى، ما كان بتهامة ملك قط. فانتقضت قريش عما كانت قالت له، ولحق عثمان بن الحويرث بقيصر ليعلمه رفض قريش !!  فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له؛ فمات عند ابن جفنة؛ فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله !!

عبيد الله بن جحش (المرتد)

 : لم يكن نصرانياً بالنسب ولم يتنصر في مكة بل تنصر في أرض الحبشة مرتداً عن الإسلام وذلك عندما هاجر إلى الحبشة مع بقية المسلمين والدليل ما روي في كتب التاريخ ومنها طبقات ابن سعد : كان قَيْس بْن عَبْد الله ظئرا لعبيد الله بْن جحش فهاجر معه إِلَى أرض الحبشة. فتنصر عُبَيْد الله بْن جحش ومات هناك بأرض الحبشة. وثبت قَيْس بْن عَبْد الله على الإسلّام ولذلك كان المسلمون من قريش يتندرون بقصتهما ويمثلون بها على قرينين خاب أحدهما خيبة عظمى يقولون : (هنيئاً لقيس وتعساً (لابن جحش ) )..!! يقصدون عبيد الله وليس عبد الله .!!

زيد بن عمرو بن نفيل :

العجيب أن الحريري يذكر عمرو بن نفيل مع النصارى وفي الحقيقة فهو لم يكن نصرانياً ولم يتنصر والدليل من صحيح البخاري :  أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ اليَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لاَ تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، قَالَ زَيْدٌ مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا ، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ .

وفي صحيح البخاري عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: ” رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِي المَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ، لاَ تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا ” ولكن الحريري يأبى إلا أن ينصرَّه !!

إذاً إن قريشاً لم يكن أحد فروعها فرعاً نصرانياً ، فليس في قريش من نصارى النسب بل أفراد  أي أفراد قلة تنصروا لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة وتنصرهم كان لمنفعة  فقيصر الروم حمل عثمان بن الحويرث على بغلة عليها سرج موشى بالذهب وكان يريد أن يملكه على قريش ، حين تنصر وبعث معه كتابه إلى قريش ، وعبيد الله بن جحش نال مكاسب عند الأعيان الأحباش النصارى، وكل ما سبق يؤكد عدم نصرانية فرع عبد العزى وإلا لاستقوى هذا الفرع بنصرانيته أمام بقية قريش ونفذ ما جاء به عثمان بن الحويرث (البطريق ) ، ولكان رضي هذا الفرع بتنصيب البطريق المتنصر وهو ابن عمهم ملكاً عليهم ولكن هذا لم يحدث لأنهم لم يكونوا نصارى بل حمساً مشركين …!!!

ومرة أخرى ولن نمل نكرر ذلك فإن ورقة بن نوفل لم يكن نصرانياً أباً عن جد بل متنصراً كما أثبتنا بالدليل ولكن ورد في الكتب المعتمدة إنه كان يعلن أنه على دين إبراهيم وفي نفس الوقت كان يقرأ في التوراة والإنجيل معاً بالعبرية فما القصة .؟!!! هذا ما سندرسه في الجزء الثالث إذا أذن لنا الله تعالى بعرض بقية الحقيقة والذود عن الحق الذي أسأل الله تعالى أن يوفقنا لا تباعه ولا يفتننا بمجرد معرفته !!

 

 

                                         

 

 

 

  

كتاب ( قس ونبي ) بين النقد والنقض ..!

الجزء الأول

 لا يحتاجُ مبعوثُ السماء الأخير للبشريّة ، الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم إلى جهود بشريّة مهما كانت للدفاع عنه وإعلاء شأنه ، فقد حُسم الأمر وانتهى عندما قال الله تعالى له في سورة الحِجْر : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ  الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) . وقال تعالى لخير خلقه الحائز على شرف العبوديّة الحقيقية لله الواحد الأحد : (فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ) “137/البقرة ” وقضى إله الكون العظيم بانتصار محمد عليه صلوات الله ، ودينه الخاتم بقوله تعالى : (  إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ) التوبة / 40 ، إنه إذاً القرار الإلهيُّ الحاسم القاطع الصادر من أجل خير الخلق أجمعين ، بل  خير المرسَلين على الإطلاق ، لهذا لستُ هنا لأمارسَ دورَ المحامي عن رسول السماء الجليل محمد صلى الله عليه وسلم حاشى وكلا ، ومعذرة بل ومغفرة ..! ولستُ أكتب للتصدي لشخصٍ بعينه أو لمن على شاكلته من النوعيّة نفسها التي باتت من كثرتها كغُثاء السَيْل ..! ولكني أكتبُ لوجه الحقيقة لأني أعشقها أينما وُجدتْ .. أكتبُ للعقول الموضوعيّة الحكيمة.. أكتبُ للمنصفين في كلِّ مكان ..أكتبُ للباحثين عن الحق الذي به ومن أجله قامت السماوات والأرض ، واسْتُدعي الإنسانُ إلى الوجود من أجله ، أما من حَسِبَ نفسَه مع العُجول في زرائبها ، يأكل ويسمن ويهيم على وجهه كما يشاء ليُذبحَ بعد ذلك فليس الكلام له مطلقاً..! بل أشكُّ في أنه يستطيع أن يفهَمَ بعضاً منه ..!!

كتاب (قس ونبي) لمؤلفه (أبو موسى الحريري ) – ولا عجب أن اسمَ المؤلف نفسه مختلق أيضاً -..!! كتاب مصنوع من خيوط العنكبوت التي تحوك أوهنَ البيوت ..كتاب ممتلئ بالأخطاء والإدعاءات والافتراءات والمغالطات التاريخية ، إنه كتاب يستهين بكل شيء , ويعبث بكل شيء لاوياً أعناق النصوص العظيمة الثمينة ، الثابتة المثبتة لتحقيق هدف خسيس لم يعدْ خافياً على أحد ..!

إنه من المُعيب جداً ومن المُهين للباحثين ولاسيما أصحاب الدرجات العلميّة أنْ يكونَ الكاتبُ مدرِّساً لمادة الفلسفة ثم يرونه يستهزئ بهم ضارباً عرض الحائط بالميزان النقدي ، وأسس البحث العلمي ، ومبادئ الاستقراء والاستنتاج ، وقواعد المنهج المعرفي إنْ لم نقلْ أبجديته ..!!! ولكم وددتُ لو بقي الكاتبُ مختبئاً وراء جدرانه واسمه المستعار لكان هذا أليق وأحفظ لماء الوجه ، وكنا عذرنا الكاتب بالفعل لعدم معرفتنا بدرجته الثقافية ..!   لاسيما بعد تصريحاته –الفلسفية الدينية –التي (فجَّرها) قريباً في مقر الرابطة السريانية الجديد والتي أعلن فيها : ( رفضه لكتاب منزل من السماء ليحكمَ الإنسان حكماً مؤبداً وأن هذا هو سبب تخلف الشرق..! وأنَّ المسيح أسس كنيسة مؤلفة من بشر ضالين وخاطئين .. فهو لم يأتِ ليؤسسَ ديناً ولا لينزلَ كتاباً ولا ليثبت شريعة أزليّة أبديّة ).!!

 لقد اختارَ أنْ يكتبَ باسم أبي موسى الحريري لأنَّ المقنَّعَ دائماً ومنذ عصور الظلام الوسطى يفعل ما يشاء.. فيا ليته بقي في ظلمته ، ونعق بترهاته ، ناسجاً بخياله الجامح ما يحلو له من شخصيات دخيلة افتراها على التاريخ الذي سيحاسبه بلا رحمة ، وسيثبتُ زوره وبهتانه .. ويجب التنويه إلى أنَّ هناك بعضاً من الشخصيَّات الدينية المسيحية المتخصصة و الموصوفة بالفكر العلمي الموضوعي ، قامت بالرد على الحريري بشكل علمي دقيق وأخصُّ بالذكر الأب سهيل قاشا الذي اتبعَ بالفعل المنهج العلمي وأُسُسَ الميزان النقديّ وقدم تعريفات دقيقة تخصصيّة عقديّة ولغويّة للنصوص المقدسة اليهوديّة – النصرانيّة ، كما أبرز الأب سهيل قاشا قدرة متميزة في المقارنة بين هذه النصوص تاريخياً ولغوياً ، كما أعلن الأب قاشا رفضَه لما أسماه اللامنهجية التي اتبعها الكاتب الحريري في كتابه ( قس ونبي ) والتي استخدمها في استنتاجاته مبتعداً بها عن الحقيقة العلميّة ..!!

إنَّ من أهم المفردات التي لا بد من عرضها بداية والتعريف عنها مدرسياً هي التوراة ، مخطوطة الإنجيل الأصلي ،الإنجيل العبراني أو الإنجيل بحسب العبرانيين و الأناجيل القانونية الأربعة متى مرقس لوقا يوحنا ، وأناجيل الأبوكريفا ، طائفة النصارى ، طائفة المسيحيين ، طائفة الأبيونيين ، طائفة اليهود المتنصرين ، مخطوطات البحر الميت ، الأفراد النصارى في الجزيرة العربية ، لمحة عن تاريخ الثقافة الدينية المسيحية والتاريخ الكنسي على الأقل الذي عاصر بعثة محمد و دعوته عليه السلام ، ثم لابد من الحديث عن حقيقة ورقة بن نوفل وكيف قدمته الوثائق التاريخية المُعتمَدة وليستْ أخيلة الناس المريضة نفسها التي نسجت شخصية يوسف النجَّار ( العجوز التسعيني خطيب مريم المزعوم ) الذي لا وجود له في الواقع التاريخي أبداً ..!! ثم يجب الحديث عن نصوص القرآن وتفردها وخصوصيتها واستقلالها ولا سيما الأسلوب اللغوي المميز للخطاب الإلهي ، ولا بد من إجراء مقارنات أدبية في المبنى والمعنى ولازم المعنى بين النصوص ( النصرانية – اليهودية ) وبين نصوص القرآن التي تشاكلها . ثم الإشارة إلى وضوح هيمنة القرآن معرفياً على كل الكتب السماوية لاحتوائه وحده على الحقائق العلمية الثابتة وأسرار الكون في الوقت الذي تحتوي النصوص ( المقدسة ) الأخرى على معلومات عن الكون غاية في السذاجة والتي تعكس لوناً من التفكير البشري الضحل كان سائداً في تلك الفترات المختلفة وتبرهن وبقوة أن أيدي البشر عبثت بكلمات السماء ..!

  يزعم الكاتب أنَّ ورقة بن نوفل  هو الرجل الذي درَّسَ محمداً عليه السلام النصرانية القديمة المنقرضة وليس المسيحية الوضعية القانونية ( مسيحية بولس – شاؤول-) فأوقع الكاتب نفسه كعادته بمأزق خطير وسؤال لا يقل خطورة لم يُجبْ عنه وهو: إذاً والحال هذه ما هي بتصوره الشريعة الحقيقية التي أتى بها المسيح هل التي كانت في عصره وقُبيله بقليل أم هي التي أُنشئتْ بعد رفعه بمئات السنين على يد بولس و أتباعه  ؟؟!  ثم أصبح خيال الكاتب ( الحريري ) أكثر جموحاً  فأعطى ورقة بن نوفل منصباً دينياً قيادياً مرموقاً لم يسمع به التاريخ قبل ذلك أبداً..! وفي الوقت نفسه أدعى أن ورقة كان معتزلاً وتأسف الكاتب لأنه قطع عليه عزلتَه فاحترنا أي رجل كان ورقة بن نوفل مشهوراً كالحريري أم مختفياً كالقزي  ..!!!  نعم أيها الدارسون للتاريخ : لقد رسم الكاتبُ الحريري ورقةَ بنَ نوفل قسيساً لمكة  تلك المدينة الشهيرة التي تناولتها كلُّ الكتب المعرفيّة- رغم أنف كل صفحات التاريخ التي لا تقول بذلك ، وأنه كان  يدير كل شؤون النصارى فيها حتى أنه كان (يكلل ) الأزواج في مكة مع أننا نعرف أن مراسم الإكليل بهذا الشكل الذي تصوره الكاتب ونسجه من بنات أفكاره ، هي مراسيم كنسيّة حديثة وليست نصرانيّة قديمة ، بل إن المسيح في حياته كلها لم يستخدم مصطلح الكنيسة بل الهيكل وفقط الهيكل وأن مصطلح الكنيسة واحد من ابتداعات بولس الكثيرة  ..!

  لقد نسي الكاتب أنَّ التاريخ هو سجل لأشخاص ووقائع بالدرجة الأولى ، فلو كان ورقة رجلاً ذا رتبة دينية مرموقة في مكة لعرفنا ذلك من كل المصادر غير الإسلامية هذا إذا قبلنا معه أن المسلمين كلهم فيما بعد تواطؤوا وأخفَوا هذه الحقيقة الثاقبة وهي نصرانية قريش ..!! وإذا كانت قريش نصرانية فلماذا حاربت التعاليم النصرانية التي أتى بها محمد  ..!!! وإذا كان ورقة على هذه الشهرة والمكانة الدينية لكانت هذه فرصة ذهبية لقريش كي تتهمَ محمداً عليه السلام بأنه ليس مبعوث السماء بل مجرد تلميذ لورقة يريد تنصير العرب – مع أن الكاتب زعم أنَّ النصارى يملؤون مكة –  ثم لم نفهم لماذا يريد ورقة محمداً بالذات لتنصير العرب بواسطته فنحن البشر بدون استثناء لا نقبل أن يأخذ أحد كائناً من كان  شهرتنا التي من حقنا ، لا سيما أن قومَ محمد كرهوه وكذبوه وأبعدوه وادعوا أنه ساحر وكاهن ومجنون؟!! ولماذا اختار ورقة شاباً يتيماً أمياً فقيراً- هذا إذا قبل التاريخ كذبة مصاحبة ورقة لمحمد لسنوات وسنوات – لماذا اختاره ليعلن التوحيد ديناً جديداً بشكل كليّ في جزيرة العرب ..؟!! والأعجب أن ورقة (اختار) شخصاً لا يقرأ ولا يكتب ليكون تلميذاً خارقاً يمارس دوراً قيادياً متميزاً بعد أن يقوم  بصياغة النصوص النصرانية -التي يترجمها له القس- ليحولها إلى القرآن المعجزة ، بطريقة مبهرة وبأسلوب إلهي بديع متفرد لا يتواجد في الأصل الركيك البشري الذي يقرأ به ورقة نفسه هذا النص المفتقر إلى البلاغة في أبسط شروطها، وإلى المصداقية الواقعية التاريخية ذات البعد العقدي ..!! أضف إلى ذلك أن ورقة أصلاً كان يقرأ من مترجَم عن مترجَم ( إذا كان يقرأ في نصوص الإنجيل العبراني فعلاً وليس في التوراة .. ) – ثم كيف استطاع ورقة أنْ يعلمَ أن محمداً الأميّ اليتيم الفقير المرفوض من قريش سيصبح معجزة بشرية بالفعل تخلب الألباب..! حيث استطاع في نصف قرن أنْ يُحررَ نصفَ الأرض من عبوديتها لغير الله وأنْ يصنعَ كتاباً عظيماً هو القرآن قاد به الدنيا برمتها وما زال إلى الآن ..! وكل ذلك بزعم الحريري بسبب نص ركيك متهالك متناقض اسمه الإنجيل حسب العبرانيين نقده المسيحيون أنفسهم قبل غيرهم ، يحمل في طياته طرائفَ كُتبت بنَفَس ألف ليلة وليلة..! لأنه حتى التوراة العبرية الحقيقة لم تكن موجودة زمن ورقة لا هي ولا الإنجيل الذي كتبه العبرانيون فعلاً كما أثبتت مخطوطات البحر الميت ..!!

والسؤال لماذا كذب الحريري على لسان التاريخ ، ورسم لورقة شخصية مختلفة كلياً عما عرفه كل الباحثين على اختلاف مشاربهم وزعم أنَّ ورقة كان قساً يدير شؤون مكة العظيمة ..؟ ؟! ولماذا ادعى أن قريشاً كانت في غالبيتها نصرانية ، وأن مكة مدينة فيها من النصارى ما يحتاج إلى إدارة شؤونهم مع أنه يعلم أنه يكتب بحثاً علمياً لا يُقبل من غير براهين وليس فيلماً هنديِّاً يعرض للسُذّج من البشر ..!

 إن التاريخَ كله يعلم أن قريشاً لم تكن نصرانية مطلقاً وإن تنصر بعض أفرادها الذين لم يتجاوزوا أصابع اليد فهذا لا يعني تنصرها بالكامل ، فأول مصائب الكاتب التعميم ، ولقد درسنا أنَّ التعميم من العمه ، وأيّ عمه أكثر من أن يتغاضى الكاتب عن الأصنام الكثيرة المنصوبة حول الكعبة والتي كانت تقصدها كلُّ القبائل المشركة لمكانتها الدينية كبيت للآلهة وليس لأنها نصرانية ، وأن يتغاضى عن أنَّ أهلَ مكة أيضاً كانوا مشركين بالأصنام وقد كان لهم صنم خاص للحرب مصنوع من العقيق الأحمر ومقطوع اليد ، اسمه هُبَلْ وأن نداءهم له عند طوافهم حول البيت بالتصفيق والصفير هو : أعْلُ هُبَلْ .. أعل هبل فوق الجبل.. ) وذلك بالإضافة إلى الآلهة الأخرى الشهيرة : اللات والعزى ومناة وأساف ونائلة وغيرها كثير  ..!! ولقد امتلأت المكتبة المعرفية بدراسات قيمة عن أصنام العرب في الجزيرة العربية عامة وفي مكة خاصة والأب لويس شيخو في دراسته القيمة [ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية ص 1. ] يقول : ( لقد أجمع الأثريون على أن اللات هي الزهرة . ولنا على ذلك شهادة ) وكذلك فإن المؤرخ الشهير هيروتس في تاريخه أورد أصنام العرب في شبه الجزيرة العربية وقال أنه من بين الأصنام التي يعبدها العرب الزهرة ولها نصب أبيض خاص بها..  ومن أصنام العرب أيضاً العزى وقد كانت أعظم الأصنام عند قريش ، تعبد بثلاث شجرات سمرات بوادي نخلة ، حيث يشتى الرب لحر تهامة بعد أن يكون قد أصطاف في اللات لبرد الطائف [ أخبار مكة 1/ 79 ] . وكانوا يزورونها ويهدون لها ، ويتقربون عندها بالذبح . ويذكر لنا الأب لويس شيخو عن العزى فيقول :(وجاء ذكرها باسم كوكب الحسن في ميامر اسحق الإنطاكى ) . ولكن مخيلة الحريري تأبى إلا تنصير نصف قريش على الأقل ، دون دليل..!! ويريدنا أن نقبل بذلك إرغاماً كي نقبل بالتالي مرتبة ورقة الدينية المختلقة ..!!  وبالفعل رحم الله الشافعي الذي قال جادلت مئة عالم فغلبتهم (بالحجة والدليل) وجادلني جاهلٌ واحد فغلبني (بالفهاهة والمنطق العليل )..!!

 لما  رأى الحريري أنَّ إعطاءَ ورقة دوره الفعلي البسيط في حياة محمد كشيخ ضرير كان قد قرأ في تراجم الكتب المقدسة عن بشارة عيسى بقدوم محمد عليهما السلام – ولذلك عرف أن محمداًهو النبي الخاتم ( ها ما شيح ) – لما أدرك أن هذا الدور الحقيقي البسيط لا يدعمُ افتراءاته على النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، و لا يُخوِّل الشيخ ورقة القدرة على تدريب محمد وتعليمه هذا الكم الهائل من الثقافة الدينية ذات الصبغة المعرفية المترقية ، ارتأى أن يرفعَ من شأن ورقة ويمنحه رتبة قسيس مكة ..!! ولو أنَّ الحريري  قرأ نصوص التاريخ فعلاً وبحث فيها بجديّة ومنهجية لما تجرأ على منح ورقة رتبة قسيس مكة ولكن طالب الحاجة أرعن .! ولو أنه قرأ القرآن بالفعل وقارن بين نصوصه ونصوص الإنجيل العبراني أو حسب العبرانيين الذي اكتشفت نصوصه حديثاً مقارنة حقيقية لغوية وتاريخية و.. متخصصة – كما فعل الأب سهيل قاشا مثلاً – لما تجرأ على إدعائه البتة ، ولما ألقى بنفسه من شاهق دون مظلة حتى لو علَّبَ تهمة أخرى كعادته تقول إنَّ قرآن محمد غير قرآن عثمان ..!! لقد تناسى الحريري أنَّ أبسط تعريف للتاريخ هو أنه صدى لواقع حدث بالفعل في يوم ما ، وليس التاريخ حكايات مختلقة ترسمها أيدي البشر وخزعبلات وإدعاءات في فكر ما فهذا أقرب إلى مفهوم القص الفني أو الفلسفة البعديّة التي يعمل الكاتب الحريري في مجالها زاعماً أنه يقدم الحقيقة التاريخية ( الصعبة ) وبالفعل هي صعبة ..!! لأنه من الصعب جداً على العقل السليم الموضوعي العلمي الذي درس الحقائق المثبتة تاريخياً أن يقبل بالخرافات والإدعاءات لمجرد أن أحداً ما أراد أن يعبث بالحقائق لغاية في نفسه ..!!

   قبل الخوض مدرسياً في كل التعريفات المقترحة لا بد أن أعرض عليكم بعضاً من (منتجات) الكتاب – الافتراء ، لتدركوا منذ البداية خامة البضاعة المزورة التي يروِّج لها الكاتب ولتعلموا يقيناً الطريقة التي يجمع الكاتب بها أدلته ، ثم كيف يعبث بالآيات القرآنية نفسها لتعلموا وتحكموا أنه لم يقرأ القرآن قراءة جادة في حياته كلها ..!

من الواضح لكل مبتدئ أنَّ الحريري استخدم طريقة فهرسة الألفاظ للعثور على كلمة ما دون الالتفات إلى معنى الآية  وها كم الدليل : في الفصل الأول في الباب الثالث الذي أسماه المؤلف (أبيونية القس ورقة ) في الصفحة 17 يقول الكاتب الحريري (القزي ) : { ويخشى النبي (محمد) فيما يخشى أن يكون انتمى إلى حزب منها ، أو يكون ساهم في توسيع رقعة الخلاف بينها فيقول : (  إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ) كما يرفض أن يفرق بين الأحزاب بل يريد لها السلم ، ويبغي توحيدها } ..! يا للمهزلة  إن كاتباً لا يستطيع منذ البداية أنْ يميّزَ بين النصوص نفسها فكيف يقبل واحدنا أنْ يحدثه عن فقه النصوص ..؟!! إن هذه الآية الكريمة وكل طفل مسلم يعلم ذلك هي آية لم يقدمها القرآن منسوبة إلى النبي محمد عليه السلام ، إنما هي الرد الذي قدمه النبي هارون لأخيه موسى عليهما السلام وذلك عندما غضب موسى من هارون لأنه لم يمنعْ بني إسرائيل من صنع العجل وعبادته ، ولم يزجرْهم ويوقفهم ..! وسياق الآيات من سورة الأعراف  هو كما يلي : (( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) )) .

نستنج إذاً أنَّ الكاتب لم يستطع حتى التمييز بين محمد وهارون عليهما السلام في النصوص القرآنية !

 أما الدليل الآخر الذي اختاره ( الحريري ) فقد انتزعه كعادته من موضعه الصحيح أيضاً ليحمِّله ما لم يحمل منذ البداية أي ليحمِّله مفهوم كلمة (الأحزاب ) التي تبناها في جعبته الثقافية الخاصة المزجاة ، فهو وحسب فهمه السقيم يعتبر أنَّ كلَّ كلمة (أحزاب) توجد في القرآن إنما تشير لفرق النصارى ..!! وبالقياس فإن كلمة أحزاب في الآية من سورة الأحزاب إنما تشير إلى فرق النصارى..! أما الحقيقة فهي أن النصارى هنا بالذات لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد ..!! ألم أقل لكم إن لديه تصوراً مشوهاً جاهزاً عن كل شيء..!! وهاكم تفصيل الدليل :

يقول الحريري في كتابه ( قس ونبي) في الفصل الأول الباب الثالث ( أبيونية القس ورقة ) في الصفحة 17 نفسها : { ولا يعجب أتباع النبي من كثرة الأحزاب هذه لأنهم حذروا منها مسبقاً وأعلموا بوجودها ولما رأى المؤمنون من أتباع محمد الأحزاب ( عند النصارى ) قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ) } أما سياق الآية في الحقيقة فهو كالتالي : ((  وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) )) وتتفق الحقيقة التاريخية مع السيرة النبوية من أن الأحزاب في هذه الآية الكريمة ليسوا من النصارى طرفة عين كما زعم (الحريري) بل تشير إلى جمع حزب وهم طوائف الكفَّار  من قريش وغطفان ( بنو مرة وأشجع وفزارة ) وكنانة ( حلف الأحابيش ) وبني أسد وسليم ومعهم اليهود من بني قريظة وبني النضير الذين حاربوا المسلمين في غزوة الأحزاب ( الخندق ) ..! وأما معنى الآية الكريمة هذا ما وعدنا الله ورسوله فقد وعدهم الله تعالى على لسان نبيه الكريم بالنصر المؤزر العظيم بعد قيام تحالف ضدهم وهذا ما تحقق ولكن الإعجاز الغيبي الذي لا يستطيعه إلا الله العظيم وحده والذي يؤكد أن محمداً مبعوثُ السماء فهو الوعد بالنصر الحتمي الساحق والذي تحقق بالفعل بسبب ريح غاضبة أرسلتها السماء كفأتْ القدور وأطفأتْ النار وأعمتْ الأبصار فكانت الهزيمة ساحقة ماحقة رغم التفاوت الكبير بين عدد المسلمين (ثلاثة آلاف) ، وعدد الأحزاب ( عشرة آلاف ) ..!!! نستنج أن الكاتب لا يستطيع التمييز بين معاني الكلمات ذات المبنى نفسه لأن ثقافته ليست عربية – وإن كان عربياً حسب الخارطة – بل ثقافته غربية فهو يشبه كثيراً المستشرقين في إدعاءاتهم وافتراءاتهم ..!

 في الفصل الثاني : ( القس والنبي في معترك الحياة ) الباب الرابع : ( القس يعلن النبي خليفته ) الصفحة 45 و 46   :

تحت عنوان : ( الإعلان الثالث : في بدء الرسالة ) ، يبدأ الحريري  بما أورده كتَّاب السيرة : (  فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِوَارَهُ وَانْصَرَفَ، صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بِهَا، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ: يَا بن أَخِي أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي جَاءَ مُوسَى وَلَتُكَذَّبَنَّهُ وَلَتُؤْذَيَنَّهُ وَلَتُخْرَجَنَّهُ وَلَتُقَاتَلَنَّهُ ، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَأَنْصُرَنَّ اللَّهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ، فَقَبَّلَ يَافُوخَهُ ) ثم يبدأ بالاستنتاج كما يلي وسأنقله كما هو من الكتاب : (هذا هو الاطمئنان المطلوب الذي حصل عليه محمد والذي كان يتمناه من ورقة وهذا هو الاطمئنان الذي يطلب من القس توفيره لرعيته . وهذا هو النصر الذي حاز عليه القس في تدبير خليفة له على جماعة مكة والمطلوب الآن من محمد لا أن يثبت فقط بل أن يكون مطمئناً أيضاً . ومتى بلغت الطمأنينة قلب محمد ، استطاع القس أن يعلن : ( لأنصرن الله نصراً يعلمه ) . واستحق الشاب الوديع قبلة من القس على رأسه . بهذه الطمأنينة التي حاز عليها محمد ، بشر في رسالته العتيدة عندما قال : ( بذكر الله تطمئن القلوب )13 / 28 (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) 3 / 26 ، 8/ 10 و : ( قال أولم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) 2 / 260 وبهذه السكينة الباطنية أيد الله محمداً وجماعته : ( فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود) 9 / 40 ، 48 / 4 و ( أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) 48 / 26 ، 18 , 9 / 26 وهكذا انتصر القس نصراً من عند الله بنصر تلميذه : ( وينصرك الله نصراً عزيزاً ) 8 / 3

ومرة أخرى يتضح لكل مبتدئ في دراسة النصوص أنَّ الحريري ينتزع آيات القرآن من كتاب يفهرس لألفاظ القرآن وذلك لأنه يستشهد على كلامه بآيات لا علاقة لها مطلقاً بما تكلم عنه ..!!  فهو يستشهد مثلاً بآية من القرآن على أنها قول لمحمد عليه السلام، وهي في الحقيقة قول إبراهيم عليه السلام في حواره مع ربه ..!   وهذه الآية هي : ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) وكل المسلمين يعلمون أنها قول إبراهيم عليه السلام عندما طلب من ربه أنْ يريَه كيف يحي الموتى فقال له الله : ( أولم تؤمن ) ؟ قال إبراهيم : ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) فالآية الكريمة 260 / من سورة البقرة : (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)  هي آية خاصة بقلب ابراهيم وليس بقلب محمد عليهما السلام إذاً لا علاقة لمحمد عليه السلام لا من قريب ولا من بعيد بهذه الآية ..! ولكن الحريري يريدها وبقوة قولاً لمحمد قاله عندما حصل على الاطمئنان من الشيخ الضرير ورقة قس مكة بزعم الحريري ..!! وكذلك الآية الثانية التي استشهد بها  : ( وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) فهذه الآية في سورة آل عمران هي كما يلي : (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) ) وكما هو واضح فإن هذه الآية خاصة بمعركة بدر حصراً وجنود السماء المقاتلين إلى جانب المسلمين ، فهي آية حرب ولا علاقة لورقة بها والاطمئنان الذي يمنحه لمحمد بقبلة في رأسه ..!!! ومثلها آية  (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) “40/التوبة “) ، فهذه الآية أيضاً لا علاقة لها بورقة المسكين الذي ألزمه الحريري بما لم يقله أو يفعله بل هذه الآية نزلت عندما كان النبي محمد عليه السلام بصحبة أبي بكر رضي الله عنه هارباً من الكفار ومختبئاً في الغار ..!! وهذه مناسبة لسؤال (الحريري) إذا كانت دعوة محمد بتصوره بهذه السلاسة والهدوء والاطمئنان فلماذا لقي النبي محمد عليه الصلاة والسلام من قومه في مكة المعاندة والكفر ما دامت مكة بزعم الكاتب تعجُّ بالنصارى فلماذا قوبلت دعوته ( النصرانية ) بهذا الاستغراب والجحود حتى اضطر النبي للهجرة من مكة واختبأ مع أبي بكر في غار ..؟؟!! و أين ذهبت (طمأنينة) هذا الورقة التي منحها لتلميذه ؟! ثم أين ذهبت أوصاف تلميذ ورقة النصراني التي أسبغها الحريري عليه في أول الكتاب فالواضح أن الحريري حسب بضاعة السوق يسوق ..!!  أم أن كلام الليل يمحوه النهار وكما قالت العرب : كل المفترين يزجون ما يفترون .. ! وكل الكاذبين ينسون ما يكذبون  ..!! ولقد صدق العربي حين قال :

 

تصدَّرَ للتدريس كلُّ مهووسٍ …………. بليدٍ تَسَمَّى بالفقيهِ المُدَرِّسِ

فَحُقَّ لأهلِ العلمِ أنْ يتمثلوا …………. ببيتٍ قديمٍ شاعَ في كلِّ مَجْلِسِ

لقد هَزُلَتْ حتى بَدَا مِن هُزالِها ……….. كُلاها وحتى سامَها كلُّ مُفْلِسِ ..!! 

التطور التقني لا يذهلنا .. لأنَّ رسولنا أخبرنا ..!!

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ» “حديث صحيح أخرجه الأئمة أحمد والتِّرْمِذِيُّ.والبيهقي في دلائل النبوة وصححه الألباني .

 كيف سيخبرك فخذك بما صنعَ أهلك ..؟! هل هي أُحجية ..؟ أم هي من دلائل النبوة العظيمة ..! ولماذا يزجُّ الرسولُ محمدٌ عليه السلام نفسه في هذا الخضم الهائل من المعلومات العلميّة التقنيّة الدقيقة التي يُكشف عنها النقابُ تباعاً في هذا العصر فقط.. ثم من الذي أدراه، ومن الذي أخبره وقد عاش في بيئة جاهليّة بدويّة ليس لها بضاعة من العلم ولا حتى مُزجاة .؟!! كيف والعالم كله من حوله ما يزال غارقاً بالجهل وحتى من جاء بعدهم بمئات السنين كانت قضيتهم المصيريّة العظمى  هل الأرض ثابتة أم متحركة ؟! إذاً جاء الآن دور أصحاب العقول المُنصفة لينضموا إليَّ فأنا لم أجد أجمل من صداقتهم ..!

الفخذُ أيها الناس ليس مُضغة معرفيّة ، فهو ليس عقلاً ليجمعَ الأحداث والوقائع..! وليس لساناً ليتكلمَ ويُدلي بالمعلومات ، فكيف وبأيّ طريقة يُخبر بما يفعله أشخاصٌ في مكان ما ؟!

نعم ..لقد بدأتْ بالفعل بوادر تحوُّل البشر إلى آليين يعملون بمعطيات الأرقام ..! وأصبحت الأجهزة المزروعة في أعضائهم تنقل لهم المعلومات أو ينقلوها هم للآخرين ..!! لا ليس فيلماً من أفلام الخيال العلمي بل هو حقيقة حاصلة وواقع حدث بالفعل ..!

نجح الألماني “تيم كانون” الذي يُطلق على نفسه “قرصان بيولوجي-biohacker” ” يعمل في شركة غريند هاوس Grind house وهي شركة تصنع أجهزة للتكامل مع الجسم البشري، نجح في زراعة شريحة كمبيوتر صغير في ساعده تحت جلده لتتبع درجة حرارة جسمه ، وتكون هذه الشريحة بمثابة جهاز استشعار بيومتري لا سلكي في الساعد  بحيث ترسل هذه الشريحة رسائل نصيّة بدرجات الحرارة وتنبئ بالخطورة إذا حدثتْ كأن ترسل رسالة نصيّة تقول : ( أنت تعاني من الحمى فدرجة حرارتك تجاوزت الأربعين ) .! وهذا يتم باستخدام تقنية البلوتوث ، بحيث يتم الاتصال لا سلكياً مع أي جهاز آلي لإعطائه المعلومات عن التغيرات البيولوجيّة الآنية الحاصلة ، والإصدارات الأحدث ستتبع المؤشرات الحيوية الأخرى وبقية التغيرات في الجسم فهم يركزون أساساً على دمج الإنسان بالآلة ..!! وأصبح بالإمكان حسب هذه التقنية المبتدعة أنْ تُزرع الشرائح في أي مكان في الجسم ، وأنْ يتطورَ عملها التقني ليصبحَ فيما بعد حصالة معلومات إفرادية ، أو بنك معلومات متشابكة ، فمن الممكن نظرياً  زرع هذه الرقائق الإلكترونية الطبيّة لمراقبة نشاط القلب وبالطبع هذا أكثر تعقيداً ولكن أكثر فائدة خلال السنوات المقبلة لأنها ستتيح متابعة حالة المريض بشكل آمن بسبب اختزانها للمعلومات الطبية الضرورية عنه.

إذاً لم يعد مستحيلاً أو مستغرباً في هذا العصر أنْ يركبَ أحدهم أجهزة استشعار سمعيّة أو بصريّة  تجسسيّة لاقطة من نوع ما في منزله ويتواصل معها لا سلكياً فتمده بالمعلومات من خلال شريحة مزروعة في مكان ما من جسده وليكن فخذه مثلاً ، وطلاب الطب يعلمون أن عضلات الفخذ من العضلات القوية المناسبة لمثل هذه التقنيات المجنونة التي تغير في خلق الله وقد تفيد هذه التقنيات في بعض الأمور الطبية ولكن سينتج عنها مشكلات مختلطة مادية ومعنوية أكثر من فائدتها ، وذلك غير مستغرب لأن أسبقية الإفساد دائماً لبني البشر    ..!! وهاهم العلماء يعلنون عن إصابة العالم البريطاني مارك جاسون بفيروس إلكتروني ليكون أول إنسان في العالم يصاب بهذا الفيروس في شريحته المُعرَّفة المزروعة في جسده ..! فقد ذكر موقع “لايف ساينس” أن (جاسون) الباحث في كلية النظم الهندسية بجامعة (ريدنج) البريطانية أصيب بالفيروس عن طريق رقاقة إلكترونية زرعت في يده وسرعان ما انتقل الفيروس إلى كمبيوتر المختبر الذي يعمل فيه مع احتمال أن يكون قد انتقل أيضاً إلى الرقاقات الإلكترونية في بطاقات العبور إلى جميع أجهزة الكمبيوتر في المبنى مما يلغي فائدة الاتصال ويشوه المعلومات فتصبح مدمّرة ..!

 إذاً تفكروا أيها الناس قبل أن ترحلوا  ..!!

من الإشارات البديعة في القرآن العظيم تلك اللطائف التي لا يفقهها إلا المرهفون من أصحاب الأفئدة – أرجو من الله أنْ نصبحَ منهم – أن المسيح عليه السلام عندما قال لليهود إن إحدى معجزاتي تتمثل في أن أخبرَكم فيما تدخرونه في بيوتكم لم يقل بإذن الله تعالى كما قال عن معجزة إحياء الموتى .. لأن معرفة ما في البيوت سيكون فيما بعد أحد المهارات البشرية والتي ليست معجزة بالمعنى المطلق التي لا يستطيعها إلا الله تعالى وحده كمعجزة إحياء الموتى فهذه الأخيرة تحتاج إلى فعل الله مباشرة يقول الله تعالى في كتابه العظيم على لسان عليه السلام : ( وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران (49)

ولأنَ معجزة إحياء المخلوق الميت تحتاج إلى إذن من الخالق الحيّ  فقد طلب عيسى عليه السلام العون من الله لأنه ليس إلهاً مع الله ولا يملك ذاتاّ إلهية إذ لا تساوي بينهما مطلقاً البتة ،وذلك في إنجيل يوحنا عندما أراد عيسى عليه السلام إعادة الحياة إلى أليعازر وهذه أيضاً لمحة بديعة لأولي الألباب فقط وتشير إلى أن عيسى بن مريم عليهما السلام مجرد رسول ولم يكن يوماً هو الله الواحد الأحد حاشى وكلا ومغفرة: ((فرفعوا الحجر ورفع يسوع عينيه إلى السماء وقال : أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لي وقد علمت أنك دوماً تسمع لي ولكني قلت هذا لأجل الجمع الواقف حولي ليؤمنوا أنك أرسلتني ثم نادى بصوت عال ألعازر أخرج )) يوحنا 11 / 41 ألم يكن من الأجدر والأولى في هذا الموقف المعجز-إحياء ميت- أن يقول : ليؤمنوا أنك أبي أو أنني ابنك ! بل قال : (أيها الأب ) لأنه أب للجميع ولذلك يسمي المسيحيون الله (أبانا) في صلواتهم . ثم قال عليه السلام ( ليؤمنوا أنك أرسلتني ) إذاً فهو مجرد رسول يرفع رأسه إلى السماء ويتضرع كي تُنجز معجزاته بإذن الذي أرسله كما أرسل غيره من قبله وبالمعجزات المبهرة..!!

العقلُ وعالمُ الغيْب :

 

( الجزء الثالث )

  داروين

تناولتُ في الجزأين الأول والثاني مفهومَ العقلِ كأداةٍ وكمنظومةِ إدراك واستيعاب ، وبرهنتُ بالأدلة العلميّة القاطعة على أنَّ العقلَ ميزانٌ لبعض الحقائق وليس ميزاناً مطلقاً لكلِّ الحقائق ، فهو يعملُ ضمن حدوده في عالمٍ محسوسٍ مرئيّ ، ولا يستطيعُ في أيِّ حال من الأحوال أنْ يتعدى هذه الحدود ، فإذا حاولَ أنْ يَحكمَ في اللانهاية حيث ينتهي الزمانُ وينعدمُ المكانُ ، وَقعَ في تناقضٍ مريع وعَجِزَ كلياً عن إعطاء حُكمٍ ، فالعقلُ يرى الكونَ بأبعاده هو وليس بأبعاد الكون !

 إنَّ كلَّ مَنْ يدَّعي أنه يستطيعُ أنْ ينكرَ اللهَ بالعقل وعلى أساسٍ من العلم ، لهو إنسانٌ واهمٌ مضلِّلٌ ، وضحْلٌ متبجحٌ ، إذ لم يفقهْ بَعْدُ كُنْهَ وظيفة العقل ولم ينضبطْ بالقواعد العلميّة الحقيقيّة ، وهو على الأقل ليس بمستوى العلماء الأفذاذ العمالقة الذين أيدوا وجودَ الله بالعلم , وبأدلة دقيقة تحترمُ العقلَ نفسَه من أمثال : الرازي والكنديّ والفارابيّ وابن النفيس وابن سينا و أينشتاين و كريسي موريسون وموريس بوكاي وجيفري لانغ وهذا الأخير استطاع وبعبقريته المعهودة أنَ يربطَ بين النظرية والتطبيق عند البحث عن الإله لذلك وُفِّق َفي بحثه !! أكمل القراءة «

هل نَشرَ المسلمون دينهم بالإكراه وبحدِّ السيف ؟!
وهل يقتلون الذي لا يتبعُ دينَهم ..؟! 

بعد ظُهور فئاتٍ مبتدعة هجينة تكفيريَّة تتاجرُ بالدين الإسلامي ، وتسفكُ الدماءَ باسم الدين ، عاد أعداءًُ الإسلام للواجهة ، بمحاولة جديدة مستميتة لنسفه وهذه المرة عبراتهامه بأنه دين الإجرام !! وهذه من أبجديات الرعونة فهي اللغة الوحيدة التي يتقنها أعداءُ الإسلام ومنها أنْ تحكمَ على شرع ٍسماويٍ كامل متكامل من خلال تصرفات بعض الأفراد المنحرفين الذين لفظهم الدينُ نفسُه قبل غيره ، أما القضاء على الدين  فهذا ما كان و لن يكون ، لأنَّ هذا الدين ليس من صُنع البشر لذا فإنَّ اللهَ لا يحتاجُ البشرَ للدفاع عن شرعه الأخير الذي ارتضاه لعباده ، أما محاولاتنا المتواضعة لخدمة الإسلام العظيم التي تتمثل في الذود عنه فهي من أجل كشف قناع الإشكال والغموض عن وجه الحقيقة للذين يبحثون عنها من المخلصين لها علهم يجدونَ بغيتهم ، وهذا واجب علينا لأن كل مسلم يقف على ثغرة من ثغور الإسلام وأحد مهامه تجلية حقائقه للآخرين ..! 

ومرة ثانية :   

هل نَشرَ المسلمون دينَهم بالإكراه و بحدِّ السيْف ؟!

وهل حقاً يقتلون الذي لا يتبعُ دينَهم ..؟!    

أكمل القراءة «